أضيف بواسـطة addustor

 

يروي الفيلم الوثائقي الطويل “الڨطرة”، للمخرج التونسي يونس بن حجرية، قصة تغيب المرأة عن الإطار الزمني للأحداث المصورة فيها، بينما تظل هي الموضوع الأساسي ومحور كلمات الأغاني، إذ يسعى العمل إلى الحفاظ على ذاكرة شعبية تونسية تتجه نحو الضياع، من خلال توثيق فن شعر الملحون في مدن الساحل التونسي، في قلب التراث الشعري منذ الثلاثينات من القرن الماضي، إذ يبرز الأديب والشاعر المكنى محمد خضر جديرة كالأب الروحي لفناني وعشاق هذا النوع من الغناء.وعرض الفيلم في الدورة العاشرة من مهرجان الإمارات للأفلام، وشارك حاليا في المسابقة الرسمية لمهرجان مسقط السينمائي الدولي الذي أقيم في الفترة بين الثالث والثامن من مارس الجاري.يكشف المخرج التونسي يونس بن حجرية في حديثه مع “العرب” عن تمكّنه من جمع وتوثيق قصص النساء رغم تغييبهن في الإطار الفيلمي للأحداث، وقد عبر عن هذا  بقوله “في الحقيقة لم يتم جمع قصص النساء بقدر ما يمثّل الجمع والتحقيق والتمعّن في الصّور الشعريّة التي كُتبتْ عن المرأة حينها، هي قصص مستوحاة من أحداث واقعيّة صارت في فترات مختلفة من تاريخ هذا الفن، وقد حفظها شعراء شعبيّون في ذاكراتهم لأن هذا النوع من الشّعر لا يُكتب إنما يُحفظ خوفا من سرقته، لهذا تجد في نهاية كل ‘غنّاية’ من الشعر الملحون ما يعبّر عنه بالقفلة، أي يذكر اسم الشاعر حتى وإن كان هو صاحبها وإن لم يذكر يُتهم بالسّرقة، إذ أن لهذا الفن قوانينه التي تضبط طُرق تدوينه وأغراضه المتفق عليها منذ قرون”.ويؤرخ المخرج التونسي القصص الشخصيّة واللحظات التي شدت انتباهه أثناء توثيق فن “الإدبة” في مدن الساحل التونسي تلقائيا منذ طفولته ويؤكد هذا قائلا “لا أتذكر الفترة التي بدأ فيها اهتمامي بالأدب الشعبي وفن الغنّايَة لأني وجدت نفسي مهيأً منذ أن بدأت أتلمس طريقي في الحياة مع جدتي عندما كانت تُنصِت لأغاني الأديب جديرة والحبيب اللمطي وبرايك السعفي، كذلك جارنا حمدة الذي كان يرشق الزهور أمام محلّه وينثر الياسمين في الطريق ويضع شريط الكاسات الذي يصدح بصوت أغاني أم كلثوم، أو ‘يا ريم هائم حوّاس على جالك يا بنت الناس’ لحبيب اللمطي أو ‘يا وشّام وِكيلك ربي ما تغرّق الجراح في عيشة محبوبة قلبي مولات الضّباح’ للأديب برايك السّعفي”.ويضيف “كُنت أتمايل مع اللحن ولكن لم أكن أفهم تلك الكلمات، وبعد سنوات انتبهت إلى هذا الفن وصرت مستمعا واعيا خاصة لهذه القصائد التي تتغنى بالمرأة والتي يزخر بها محيطي في الساحل التونسي وبمدينة المكنين خصوصا”.ويؤكد بن حجرية على أهمية الحفاظ على التراث الشعبي عبر فن الإدبة في الفيلم، من خلال مبدأ “سجّل فإن التاريخ يمر”، إذ يقول “اتخذت من السينما ركيزة لحفظ هذا التراث الشعبي الذي في طريقه إلى الاندثار ليصبح في يوم ما ‘الڨُطرة’ هو نفسه تاريخا، لأن كل فيلم عن التاريخ هو تاريخ، فقد صار الفيلم مرجعا يعود إليه الطلبة والباحثون في ميدان الغناء والشعر وصار جزءا من مهرجان سينمائي ‘أيام سينمكنة للأفلام الشعرية'”.ويتابع “مع هذا الفيلم كانت رحلتي طويلة منذ سنوات بين البحث ومجالستي للشعراء والأدباء الشعبيين ومُحبّي هذا الفن في المهرجانات والحفلات واللقاءات الخاصة والاجتماعات بـ’الڨُطرة’ واحتكاكي بمؤرخ الشعر الشعبي محمد الجلاصي الذي يمثّل ذاكرة لهذا الفن، وبعض أصدقاء الأديب جديرة مثل محمد الغضاب وشكري عثمان المخز وعبدالله الطيب، الذي وافته المنيّة منذ أيام عن سن تناهز المئة، وقد ساعدوني في التعرّف إلى القصائد والأغاني التي ضاعت كلماتها عبر الزمن لأنها غير مدونة”.وفي نقاشنا حول العوامل التي يعتقد بن حجرية أنها ساهمت في إثراء تجربته الإخراجية لهذا الفيلم الوثائقي يجيب “هي مجموعة من الرؤى، فالرُّؤيَة السِّينِمائِيَّة هي وجهة نظر يتبناها المخرج في إدراكه الخاص للعالم، لهذا كانت رؤيتنا مرتبطة بالشعر كثيرا، فـلا أعرف شيئا سوى أنّ الشعر يستطيع أن يفعل هذا،  كما قال المخرج الإيراني عباس كيارستامي، وهنا نحكي عن الصورة الشعريّة، ذلك أن الرؤية الإخراجية تُبنى من خلال عين جمالية وفنية وأيديولوجيّة وفكريّة وفلسفيّة، فالقصيدة وفن الغنّاية مثلا إثراء للتجربة ومغزى للصورة”.ويضيف “كان التحدي الأكبر هو نسج رؤية للفيلم تتماهى مع رؤية الأديب وكلمات الشاعر، فكانت أولاها المحافظة على مصداقيّة هذا الأثر بالتركيز على دقة الأغراض وطريقة الإلقاء وحيثيّات السّهرة ورمزية غياب المرأة وحمل السّلاح ورقصة البارديّة ووقفة السّعفة والدّخان المتصاعد من القرابيلة (نوع من البنادق) والبنادق الأخرى، كلها صور شعريّة غزيرة نسمعها ونراها، لهذا كان تركيزنا على غرض من أغراض هذه البحور وتحديد أهداف هذا النّسيج حتى يبقى مرجعا للتّاريخ فارتأينا الاشتغال على شعر الغزل الأخضر”.ويبين أن إطلاق النار من قبل الباردية يعدُّ فعلا خطيرا وتحديا رغم قيمته الرمزية، إضافة إلى الشحنة التي يُضْفِيها على الشعراء والأدباء الشعبيين والحضور، وقد تتبعها في بعض الأحيان زغاريد بعض النساء التي لا نراها ولا نعلم من أي زاوية تخرج.يتمكن المخرج التونسي من تحقيق توازن بين التركيز على الشّاعر محمد خضر جديرة وعلى الفنانين الحاليين في الفيلم من خلال خلق التوازن بين عالمين، إذ يقول “أغلب أفلامي تسبح بين العالمين المرئي واللامرئي، وآخرها ‘صوفيزم’ وفيلم ‘الهورلا’ وفيلم ‘الطريق إلى كيراستامي’ إلى أن نصل إلى فيلم ‘الڨُطرة’، إذ أنه حتّم علي فهم الأوزان الشعبيّة وما فيها من ثراء وتنوّع حتى نخلق نسقا للفيلم ونسيجا بين الكلمة والمعنى والصورة، وبين الصورة الشعريّة وشعريّة الصورة وبين الشاعر والأديب”.ويضيف “كل عمل فني أو سينمائي يحمل الكثير من التحديات قبل وخلال فترة الإخراج، ولكن تغمرني لحظات سعادة لا توصف حين أرى الابتسامة على وجوه الشُّعراء والأدباء أمام نافذة فيلم ‘الڨُطرة’، أحدهم يدندن مع نفسه والآخر يتمايل وكأنه لأول مرة يستمع للغنايّة، ومنهم من ضحك كثيرا لمّا اكتشف أننا كنّا نصوّره، معتقدا أن الكاميرات كانت متوقفة عن التسجيل حينها، فهذه ردود أفعال مختلفة حفّزتني على مواصلة الاشتغال على مثل هذه المواضيع خاصة، كما ذكرنا سابقا أن التاريخ يستمر، فدع الكاميرا تُسجّل وتَمر إلى عمل آخر”.وفي حديثنا عن استجابة الجمهور لرؤيته الفنيّة حول حفظ هذه الذاكرة الشعبية التي في طريقها إلى الاندثار، يوضح بن حجرية “في هذا الفيلم قمنا بالاختزال وتفادي بعض القصائد التي تَغنَّى بها جديرة والإدبة في عصرنا هذا، ولكن مازالت تُمثل إشكالا بالنّسبة إلى بعض الأهالي الذين يغنون بإحدى نسائهم؛ فخلال التصوير والحفاظ على هذه الذاكرة الشعبية التي تضمحل، اكتشفت شخصيّة تقف خلف أغلب حفلات الأدب الشعبي (الغنايّة)، وتحافظ على هذا الإرث منذ عدة سنوات، فقد لعبت هذه الشخصية دورا مهما في أحداث الفيلم ولمسنا من خلالها قيمته الفنية، فتابعنا شخصيّة الشاعر شكري أمخر عثمان، فوجدناها هي الأكثر شغفا وعشقا لهذا الفن، فهو لا يفارق الغنايّة ولا يغيب عن أي سهرة في أي مكان في تونس، فيكون أول الحاضرين وآخر المغادرين، له أرشيف من التسجيلات النادرة لأغان وفنانين رحلوا”.ويتابع “كما تكمن خطورة السهرة في فترات غناء الصّالحي التي يُطلق فيها البارديّة البارود (الكسكسي، الخراطيش) حيث تنطلق شظايا أحيانا تتسبب في تشوه لأحد الحاضرين وأحيانا تودي بحياته أو بحياة صاحب السلاح، وقد أُصِبت في إحدى السّهرات ولكن أكملنا التصوير في سكرة الأغاني والبحث في معنى المقاصد، فلم أنتبه إلا في آخر الليل والدم يسيل من رجلي، كما مُنع أصحاب القرابيلة والبنادق من حضور بعض السهرات لِما تمثّله من خطر، ولكن ذلك يبقى من نواميس فن الإدبة، إطلاق البارود والتخمّر حتى الثمالة عبر كلمات الأغاني وألحان الحناجر، وهذا ما يميزها عن بقية الحفلات الأخرى”.وفي ختام حواره مع “العرب” يتحدث يونس بن حجرية عن الرسالة الرئيسيّة التي يأمل نقلها من خلال هذا الفيلم الوثائقي حول فن الإدبة وحفظ التراث، يقول “الرسائل عديدة منها ما هو مقصود ومنها ما هو مقروء من قبل المشاهد ولم يقصده المخرج، وهو الذي يرى ما لا يراه المخرج أحيانا، يقول السيميائي رولان بارث ‘إن للعمل الفنّي ثلاثة مقاصد؛ الأول وهو ما يقصده الفنان والثاني ما يحمله العمل الفني والثالث ما يقرؤه المتلقي’، فمن بين أهم أهداف الفيلم المحافظة على إرث عملاق في طريقه إلى الزوال، منذ سبع سنوات ونحن نوثّق سهرات واجتماعات مجموعة الڨُطرة وحفلات الغنّاية كما يُطلق عليها الإدبة”.

 

 

 

عبدالرحيم الشافعي

 

 

المشـاهدات 133   تاريخ الإضافـة 21/04/2024 - 21:18   آخـر تحديـث 14/06/2024 - 02:15   رقم المحتوى 44184
جميـع الحقوق محفوظـة
© www.Addustor.com 2016