جيل يقلّد لا يفهم
![]() |
| جيل يقلّد لا يفهم |
|
فنارات |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب |
| النـص : شيماء حسين
سرقة الطفولة بين التجييش العقائدي والانفعال الفني جيل يُصنع خارج عمره الطبيعي في السنوات الأخيرة بدأت تبرز ظاهرة خطيرة تتعلق بطريقة تعامل المجتمع مع الطفل. فبدل أن يعيش مرحلته البريئة ويتدرّج في نموه الطبيعي، أصبح يُسحب إلى ساحات لا تليق بعمره فبين طفلٍ يتحدث بعبارات عقائدية وأخلاقية أكبر من قاموسه وطفلٍ آخر ينهار بالبكاء على مطرب عاطفي لا يعرف معنى أغانيه، تتضح لنا مشكلة واحدة: الطفولة تُنتزع من جذورها، وتُستبدَل بأدوار مصنوعة لأجل تصفيق الكبار أو متابعة الترند رغم أن الطرفين يبدوان مختلفَين تمامًا—دين وفن، وقيم وحزن—إلا أن النتيجة واحدة طفل يُستَخدم كأداة، لا كإنسان في طور التكوين الطفل بين خطاب أكبر من سنّه وانفعال لا يفهمه عندما نقف أمام طفل يكرر خطابًا عقائديًا أو أخلاقيًا ثقيلًا، ندرك أن هذه الكلمات لا تنتمي لعمره. فالطفل ليس قادرًا على استيعاب المفاهيم المعقدة التي ترتبط بالعفّة، الشرف، العقائد، أو القضايا الفكرية الكبرى إنه فقط يكرر نصًا مُلقّنًا، يصوغ به الكبار صورة “الطفل الواعي” الذي يثير إعجاب الناس وفي الجهة المقابلة، طفل آخر يبكي بحرقة على مطرب، أو يصرخ بجنون على أغنية عاطفية لم يفهم معناها. لا لأنه عاش تجربة الفراق، بل لأنه يرى هذا السلوك مقبولًا ومطلوبًا أمام الكاميرا أو في مقاطع التواصل الشهيرة كلا المشهدين يكشفان الخلل في الطريقة التي نتعامل بها مع الطفل نفرض عليه ما نريد نحن، لا ما يحتاج هو. والسبب الحقيقي لهذه المشكلة ظاهرة لم تأتِ من فراغ، بل من مجموعة عوامل متشابكة فهناك رغبة لدى بعض الكبار في الظهور بمظهر المربّي المثالي، أو العائلة المتديّنة، أو الأسرة المتفتحة فيُدفع الطفل لقول ما يعجز عنه الكبار أنفسهم، ليكون مرآة تعكس صورتهم أمام المجتمع وتأثير الإعلام ومواقع التواصل فمثلاً الفيديوهات القصيرة والمقاطع المنتشرة جعلت الطفل جزءًا من محتوى المشاهدات. كلما كان الطفل “غير طبيعي”، كلما زادت فرصة انتشار المقطع، فيتم دفعه إلى سلوك غير مناسب فقط كي “يظهر”وللاسف الكثير من الأهالي يخلطون بين التربية الصالحة وبين التجييش لا يعرفون أن لكل عمر قدرة محدودة على الفهم، وأن تجاوز تلك القدرة يخلق تشوّهًا لا وعيًا في شخصية الطفل. والبعض يحمّل الطفل مشاعره هو، سواء كانت مشاعر دينية أو عاطفية، فيصبح الطفل منفذًا لرغبات الآخرين بدل أن يكون كائنًا يتطور باستقلال والطفل الذي يعيش دورًا لا يشبهه، يكبر بلا هوية واضحة لا يعرف ما يريد، لأنه منذ البداية تعلّم فقط ما يريد منه الآخرون والانفعالات المصطنعة، سواء كانت بكاءً أو حماسًا دينيًا متصنعًا، تخلق طفلًا يبالغ في مشاعره أو يكبتها بالكامل. هذا يؤدي مستقبلًا إلى القلق، الحرج الاجتماعي، أو الحساسية المفرطة والطفل الذي يُلقّن ولا يُسمح له بالسؤال، يصبح شابًا يعتمد على النقل لا العقل والطفل الذي يُغرق في العاطفة بلا فهم، يصبح شابًا يسهل التأثير عليه هذه الظاهرة تنتج مجتمعًا يقوم على ردود الأفعال، لا على الوعي. جيل يعيش على ما يراه في المقاطع والترندات، لا على ما يكوّنه من قناعات ذاتية لذا وجب على العوائل إعادة الطفولة إلى مكانها الطبيعي وعلى المجتمع أن يعترف بأن الطفل ليس ميدانًا للعرض، ولا أداة لإثبات الهوية الدينية أو الفنية أو الاجتماعية. الطفل يجب أن يعيش طفولته بسلام، بمرح، وببساطة كن له قدوة جميل أن يرى الطفل السلوك، فيتعلمه، لا أن نطلب منه ترديد كلمات لا يفهم معناها. ليس المطلوب منع الفن، ولا منع الدين، بل تقديمهما بقدر يناسب الطفل، دون انفعالات مصطنعة أو مشاهد مؤذية لنفسيته. وكل مقطع يُنشر للطفل، يصبح جزءًا من تاريخه النفسي. وعلى الأسرة أن تدرك أن الشهرة اللحظية لا تساوي خسارة سنوات من النمو السليم ومنحه مساحة للسؤال، للعب، للتجربة، للفشل، للاكتشاف. هكذا تنمو شخصية صحية، متوازنة، قادرة على اتخاذ قرارها المستقبلي بثبات التطرف في فرض العقائد على الطفل، أو التطرف في جره إلى الانفعال الفني، وجهان لعملة واحدة: سرقة الطفولة. وعندما تُسرق الطفولة، لا يُنتج المجتمع طفلاً ذكيًا أو واعيًا… بل يُنتج هشاشة مغلفة بالكلمات أو البكاء إنقاذ الأجيال القادمة يبدأ بخطوة واحدة بسيطة دعوا الطفل يعيش عمره. لا تُكبرونه قبل وقته، ولا تُحمّلوه مشاعر لم تنبت في قلبه. |
| المشـاهدات 29 تاريخ الإضافـة 29/11/2025 رقم المحتوى 68530 |
توقيـت بغداد







