الإثنين 2024/6/24 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 28.95 مئويـة
المقهى هامشٌ ومتنٌ مكاني في الآن ذاته ..
المقهى هامشٌ ومتنٌ مكاني في الآن ذاته ..
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

مؤيد عليوي

لا نريد أن نخوض في تاريخ وجود المقهى في العراق باختصار شديد صار للمقهى وجودها المكاني الاجتماعي بعد احتلال بريطانيا  للعراق ١٩١٧ ، وهي مؤنثة لأنها جاءت من الأصل اللغوي المؤنث : القهوة التي تعني في اللغة العربية القديمة نوع من أنواع الخمرة، ثم صارت القهوة من نبات البن ففي كلتا الحالتين هي مؤنثة وتُحتسى ، ذكر أصلها اللغوي د.قيس الجنابي، لذا هي مؤنثة هاهنا مع العلم أنها تدل على مكان ذكوري وفعل ذكوري .

لكن هل  المقهى من  الهامش المكاني  أم من المتن المكاني؟ وهل هذا السؤال ينطبق على الواقع اليومي وينطق على السرد النثري والشعري أيضا ؟ ستحاول السطور القادمة الإجابة عن هذا ..

 المهم أن المقهى مكان عام مفتوح لكل شخص يريد الدخول لها، فصارت المقاهي الأدبية وتشير الدراسات إلى مقهى حسن عجمي  التي تأسست ١٩١٧  في شارع الرشيد ، كانت قد دخلها اول مرّة الشاعر محمد مهدي الجواهري سنة  ١٩٢٧- ١٩٢٦ ومنها صارت تعرف بمقهى للأدباء والمثقفين:  (مقهى حسن عجمي دراسة تاريخية ، د. محمد جاسم هايس، مجلة الدراسات والتاريخ والآثار محلق العدد، ٨٣، شهر أيلول ٢٠٢٢ ) فأصحبت محطة  يتوافد لها  الشعراء والسياسيين خلال مدة الثلاثينات  تلك، ثم  صارت ملاذا لبعض الطلبة ايام الامتحانات فيما بعد ،فيمنع صاحب المقهى لعب ( الطاولي) والصوت المرتفع فيها حين يخصص للطلبة ركنا للقراءة  - المصدر السابق نفسه- وهذا  الاخير يشير إلى مقهى حسن عجمي  لم تعد مكانا خاصا بالمثقفين والسياسيين  بل صار يدخلها عامة الناس مع تقادم الوقت إن لم يكونوا متواجدين فيها من قبل ، فالصوت المرتفع ولعبة (الطاولي) تشير الى  هذا ...

 اذن نتفق الان بعد هذا العرض الموجز والمبتسر عن اقدم مقهى في بغداد والعراق، نتفق  ان  الواقع اليومي المعاش فيه امثله كثيرة عن المقاهي في بغداد ومدن المحافظات فيما بعد، ومنها مقهى حسن عجمي – بغداد ؛ وهي عينّة غير عشوائية من الماضي  العراقي خاصة  مدة ١٩٤٧ - ١٩٧٩ بقصدية الفعل الذي يحدث في المقهى  وتأثيره في بغداد العاصمة وأثر ذلك الفعل في الحركة الأدبية العراقية ، كانت مقهى حسن عجمي مقهى للأدباء والمثقفين وعامة الناس ، فهي مكان لعامة  الناس وفيه يحدث تفاعل ادبي يؤثر في حركة الأدب وتفاعل الادباء  في مدة البحث هذه، ما يهمنا هنا أن المقهى لم يكن هامشيا بسبب التفاعل الادبي وهو بينة فوقية في المجتمع بمعنى يصبح المكان متنا اجتماعيا إذا أنتج البناء المعرفي من الأدب وهنا القصدية تذهب الى مقهى حسن عجمي، لكن في الان ذاته إذا دخل رجل  تلك  المقهى نفسها، رجل لا يقرأ ولا يكتب ويحتسي الشاي فقط ويخرج من المقهى كما دخل في هذه الحالة تعد المقهى مكانا هامشيا لأنه لا يوجد تفاعل ثقافي من الرجل في المكان المقهى  اقصد مقهى حسن عجمي،  ومثلها خلال مدة البحث ١٩٤٧ - ١٩٧٩ كانت المقاهي في مدن. العراق فيها وفيها لكن لا ترتقي إلى الفعل الادبي كما في مقهى حسن عجمي من حيث هجرة أدباء المدن العراقية إلى بغداد كما فعل الشاعر حسين مردان ومواصلته ارتياده مقهى حسن عجمي اول سنوات مدة البحث هاهنا .

أما في السرد الشعري والنثري من الأدب العراقي ، فالمقهى مكانا محايدا يشكّله المؤلف شاعرا أو ناثرا، فمِن الممكن الفني الجمالي أن يجعله المؤلف مكاناً متناً يفيد منه في ترويج صراعا أدبيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا ، أو سياسيا وقد يكون ذلك الصراع اختلاف آراء بين شخصيات المقهى  كما فعلها الروائي علي لفتة سعيد  في روايته ،، حب عتيق؛؛ ومن الممكن أيضا جعل المقهى رمزا مكانيا كما في رواية ،،عصا الساحر ،، لعباس الحداد يدل على التفاعل الطيب بين أبناء مدينة الحلة ، أو تكن المقهى رمزا مكانيا لبلد بأسره كما فعل شوقي كريم في مجموعته القصصية ،، عراقوش ،، فالمقهى عنده مكانا للصراع بين رجلين يلعبان الدمينو... تراها اقصد المقهى في البناء السردي من القصة ترى المقهى من هامش المجتمع السردي القصصي ، وعندما تنظر لها برمزية البلد  وصراعاته السياسية ترى خلف  رموزها فعل الصراع الواقعي السياسي والتنافس وترى الاتفاق بعد انتهاء لعبة الدمينو ، لتتحول من خلال الرمزية إلى  متن  المكاني من السرد القصصي .. فالمقهى ذاتها  في قصة واحدة فقط تغيرت زاوية النظر لما يجري فيها  وما يتصل بخارجها فمرة تراها هامشا مرة تراها متنا من خلال الرمزية للعراق،  ومثلها  اقصد المقهى في السرد الشعري نجدها  في نص  : ،، اخر عشاء للشاعر تأبط شرا في بغداد ،،لمؤيد عليوي  في موقع الحوار المتمدن ، تجد المقهى مكانا متنا عندما تتحول من مقهى خالية من الزبائن أو من  مكان خالٍ  إلى ما يحدث في الشارع العراقي من خلال جهاز التلفاز وصوت المذيع فيه وتفاعل صاحب المقهى مع نشرة الأخبار فيكون المقهى وتفاعل صاحبها برمزية معبرة عن الشعب العراقي . في حين تكون المقهى  أكثر من هامش مكاني عندما يختفي صوت المذيع في التلفاز ، لأن المقهى خالية لا بشر فيها فلا التفاعل بل لا حياة فيها ،سوى صاحبها يجلس وحيدا.

على خلاف المقهى في  قصيدة الشاعر قاسم العبادي في ديوانه الخامس ،،قمح على ألسنة المياه ،،التي تعج بالحركة والحياة  والألفة وإلا لمن يحمل صاحب المقهى عشرة أقداح شاي أنه يحملها للزبائن في مقهاه :

مقهاه مأوى الطيبين تحفهم

لفتات مقلته ونسمة عطفه

فالشاي يصنعه بألف طريقة

لكن سكره بطيبة وصفه

والشاي من يده وشاية نحلة

ستبلسم الآهات لحظة إلفه

تتحدث الأقداح حين يصفها

عشراً كأحجار العقيق بكفه

من ذاق شاي العابدي لمرة

سيقص للآتين لذة رشفه .

هنا يتناول السرد الشعري قصة صاحب المقهى والد الشاعر العبادي، الذي يكشف عن تفاعل صاحب المقهى  مع الناس في مقهاه المكان ، تفاعله يجعل المكان أليف يشع بالمحبة والاريحية ويشيع المحبة والألفة في المقهى بين الناس لا يدخلها الا الطيبين لطيبة الرجل التي تجعل الشاي احلى من العسل كذلك تنزاح السردية الشعرية إلى وصف (استكان) الشاي اقداحه وتمكنه من رفعها بيد واحدة وهن عشر تشبه حجر العقيق الأحمر الذي يشبه لون الشاي من خلف زجاج القدح، فحب الناس في قلب الرجل صاحب المقهى جعل المقهى مكانا اليفا، بمعنى أن  القصيدة فيها معان ودلالة سردية  شعرية،  تفيض في وصف المكان  فيجلعه مكانا اليفا يشبه البيت أو المكتبة العامة في إشاعة المعرفة التي تفضي إلى الجمال والمحبة  واحترام الذات والإنسان ،فقيمة المعرفة أن تفضي إلى الخير والألفة والمحبة .. لذا مقهى قاسم العبادي في قصيدته من المتن المكاني .

وهكذا تكون المقهى في الواقع اليومي وفي السرد النثري والشعري ، مكانا هامشيا إذا كان التفاعل فيه على قدر احتساء الشاي ،، ومكانا من المتن الاجتماعي إذا كان التفاعل فيه ينتج أدبا وثقافة ومواقف سياسية واجتماعية كما كانت مقهى حسن عجمي في بغداد من الواقع اليومي العراقي الماضي ، ومن واقع مقاهي بغداد أيضا في مدة البحث ١٩٤٧ - ١٩٧٩  كان د.علي الوردي بعد نيله الدكتوراه في علم الاجتماع يجلس في مقهى ويسأل الوافدين إلى بغداد عن أحوالهم المعيشية والاجتماعية وعلاقاتهم وعن سبب حضورهم إلى بغداد، فيدوّن ما يدوّنه ويخزن ما يخزنه في ذاكرته ويطبق منهج علم الاجتماع الذي تعلمه ثم يؤلف كتابا تلو الكتاب .. كانت المقهى لعلي الوردي مركز أبحاث يلتقي عينات فيها عينات عشوائية من المجتمع العراقي ويعرف صدقهم ويميزه فيما يقولون، فيما كانت المقهى ذاتها لتلك الناس مكانا عاديا للراحة من عناء السفر ولشرب الماء  والشاي فهي حينها تعد مكانا هامشيا بما يناسب .بمعنى ليست المقهى مكانا هامشيا بوصف مطلق وليست مكانا من المتن  الاجتماعي بوصف مطلق أيضا لأنها اي المقهى بصورة عامة  مكانا عاما لأناس مختلفين الثقافات ففي ركن منه يكون المقهى من المتن المعرفي إذا كان يجلس فيه قاصا من مثل موسى كريدي في مقهى حسن عجمي ، وفي اللحظة ذاتها يجلس رجل في ركن آخر مع صديقه يحتسي الشاي  في المقهى ذاتها حينها تكن المقهى من الهامش عند الرجلين . ولأنها المقهى مكانا عاما ليس فيه خصوصية محددة بعينها تشبه المكتبة العامة التي تعد مكانا من المتن المعرفي في الواقع اليومي المعاش ، فإن المقهى لا يمكن جعلها هامشا اذا كان التفاعل الادبي فيها منتجا فالشرط هنا أن يكون التفاعل الادبي منتجا كما يفعل موسى كريدي يكتب قصة من قصصه في مقهى حسن عجمي ببغداد ، أو كما فعل قبله حسين  مردان وكتب ديوان ،،قصائد عارية ،، سنة ١٩٤٩  ،كما يرى باشلار أن تفاعل الانسان في المكان  هو الأهم، وليس المكان لكونه مكانا في الواقع  وكذلك حال المقهى  في السرد الشعري والنثري بحسب التفاعل من الشخصيات في مقهى  السرد ممكن أن تكن هامشا وممكن أن تكن متنا مكانيا  ، وهذه النقطة  قد يرى نقادا أن مقهى الواقع اليومي وما قاله باشلار لا يجري على المقهى في السرد النثري والشعري ذلك رأيهم ، لكن السؤال ماذا يمنع من التعامل من الشخصيات في الشعر والنثر على أنها كائنات حية ضمن حياتها ضمن النص وفي مكانه  كما ظهرت مدرسة التحليل النفسي في النص الأدبي والنقد الأدبي ..

واذا أردنا أن نقف على مقهى ،،للشعراء الصعاليك ،، في يوميات بغداد، هذه التسمية لا تحدد مكانا هامشيا  فقط بل تفرز عند بعض المشتغلين في الحقل الادبي  والاكاديمي اليوم أكثر من ذلك وكأن شعراء بغداد الصعاليك كذان ا يرتكبون كل ماهو خارج التقاليد والدين والأعراف الاجتماعية ، وهل الشعر الا تمرد على قواعد فنية جاهزة لخلق ابداعا شعريا كما تقول د. خالدة احمد  سعيد / من سوريا ، ليس المهم أية مقهى الأهم هناك مقهى يلتقي بها شعراء كانوا يطلقون على أنفسهم  الصعاليك ،فالصعلكة الشعرية على وقتهم كانت تعني العيش والاندماج اليومي  في روح الشعر وجوهره غير مبالين بما يدور حولهم في بغداد والعالم كله  ...فهل مقهى للشعراء الصعاليك امثال عبد الامير الحصيري  وكزار حنتوش ، تعد مكانا هامشيا في الواقع اليومي وهي مكان ينتج الشعر بوصفه بينة فوقية في المجتمع ؟! ام هي من التمن المكاني لأن الشعر والادب كان يتفاعل في تلك المقهى طوال والليل والنهار ...

 

 

المشـاهدات 121   تاريخ الإضافـة 19/05/2024   رقم المحتوى 46102
أضف تقييـم