الأربعاء 2026/1/7 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
غائم جزئيا
بغداد 3.95 مئويـة
نيوز بار
رحلتْ فراشةُ الظِّلَّ
رحلتْ فراشةُ الظِّلَّ
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

 

 

 

عبد الناصر الجوهري - مصر

 

........................

قابلتها مرةً واحدةً في إبريل عام 2019 م ، في إحدى أمسيات صالون الشاعر" ماهر عبدالواحد" بمدينة المنصورة التابعة لمحافظة الدقهلية ، لم أكن أعرفها من قبل ، ألقت قصيدة لها في "المديح النبوى" ثم جلستْ بتواضعٍ وهدوءٍ في آنٍ واحدٍ بجواري،

جعلْتني بقصيدتها الهائية أعيد ترتيب أوراقي بالنسبة لقائمة الشواعر والشعراء من أبناء جلدتي الخليليين وخاصة من ناظمي المديح النبوي، كأنها ألقت بحجرٍ في بركة راكدة ، حركت الماء وأظهرت أسلوبها الموضوعي وصدقها الفني وتدفق أشواقها وحبها المحمدي ،   فامتلكت البناء الفني لشعرها  " البيتي" سواء من ناحية "الموسيقا الخارجية" وخاصة البحور الصافية " كالكامل" وهذا يدل أن شعراء المديح النبوي يحبون بحرى " البسيط والكامل " والقافية لديها  تمتاز برقتها وجمالها فالقافية أو الروي هنا "الهاء" الذي يشيع النغم في القصيدة  يسبقها ألف " التأسيس "في كل الأبيات ، أمّا من ناحية "الموسيقا الداخلية" كالتصريع في بداية النص  والجناس التام والناقص والتضاد وكانت الألفاظ في نصها تميل للمعاصرة، أما العاطفة صادقة مُتدفِّقة، والمفاجأة لي أيضا كانت تآلف المبني مع المعنى في سبيكة واحدة داخل النص ، في ذلك اليوم أذهلتني شاعرية  " فاطمة جوهر" حتى حفرت في ذاكرتي حسها الشعري، أتذكر من قصيدتها الطويلة التي أقرب للمعلقة مقطعًا تقول فيه:

إنَّا بربِّكَ نسْتجيرُ شفيعنا            مِنْ ذلِّ أيَّـــــــــــــــــــامٍ فواغوثاهُ

كم كنتَ يا خيرالبريَّةِ بيننا    أرضيتَ.. فعْلَ الظالمين نراهُ!

عُذْرًا رسول الله صرنا بعْدهُ      

 مثل اليتيمِ فطُوِّقتْ دنياهُ

كيف الوصولُ إليكَ إني عاشقٌ     

وبلوغ طيبةَ سعْدهُ ومُناهُ

فاشفع لنا في أُمَّةٍ قد هُدِّمتْ     

حلقاتها فلكَ العلا والجاهُ

والرَّوضُ يهوى عابدًا مُتبتِّلًا  

   مثل المُحِبِّ قدِ التقى ليلاهُ

خُلقٌ عظيمٌ قد علوتَ نبينا     

لِمَ لا وربُّ الكون قد ربَّــــــــــــــــاهُ

قلتُ لنفسي ربما تكون صُدفةً عابرةً ولكني اكتشفت أنها دكتور الأدب والنقد بجامعة الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر بالمنصورة ، وتقوم بإلقاء قصائدها في حفلات الكلية، عندما فتشت على صفحة كلية الدراسات الإسلامية والعربية ـ جامعة الأزهر بالمنصورة ، وكانت مهمتي صعبة بالبحث عن قصائدها النادرة كما حال مصادري الشحيحة التي تعد على أصابع اليد الواحدة ،

والشاعرة "فاطمة جوهر" هى دكتور الأدب والنقد بالكلية، قرأتُ لها مطلعًا لقصيدة نشر عام 2018 يقول :

في يوم ذكْرى مولدكْ     أملي أراكَ وأمدحكْ

 وقرأتُ قصيدة أُخْرى مُتدفِّقة ترحب بطالباتها الجدد بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بعنوان " بنت الدراسات"

تقول في مقطع لها:

بنْتَ الدِّراساتِ ..الصَّباحَ أراكِ       تزَّيَّنين هَلِ الهَوَى أغْراكِ

يا مَنْ دخلتِ لمنبر الدِّين العُلا    أهلًا وسهْلًا سرَّنا رُؤياكِ

شرفتْ به الأرجاء وازدان الضِّيا  ونشرتِ بين الحفْلِ طيبَ شذاكِ

بنت العلاء اليوم أنتِ جَديرةٌ     بدخول أزهرنا الشَّريفِ الزَّاكي

فالحُبُّ ذكْرٌ والنَّجاةُ سفينةٌ       هيا ابْحري في العِلْمِ وابشراكِ

وقرأت لها مقطع من قصيدةً أخرى في أكتوبر عام  2021 م على بحر الوافر،  في ذكرى  عبور أكتوبر 73 المجيد تقول فيها:

وكبَّرَ كلَّ جُنْديٍّ أبيٍّ       وكبَّرتُ الملائكُ في السَّماءِ

رفعْنا رايةَ الحقِّ ، انتصرنا     أنا المِصْريُّ مرفْوعُ اللِّواءِ

 وكل ما وقع بين يدي من نصوص وقرأته  ما بين " المدح النبوي ، ذكرى أكتوبر و العبور المجيد، استقبال بناتها من طالبات كلية الدراسات"  كلها تشي بشاعرة مبدعة وعاطفة صادقة ،  كنت دائما أتساءل هل "فاطمة جوهر" من الشواعر

 اللواتي تعشقن الظل،  وتبتعدن عن الضجيح والضوضاء طوال هذه السنوات في المشهد الأدبي ،  أم أخذت من الأكاديمية بجامعة الأزهر ، متكأ لمحبة طالباتها ورسالتها العلمية،  أظنها أحبت الشعر كما أحبت التدريس الجامعي الذي طغى على القلب وإذا كانت المنصَّات لا تصنعُ شاعرًا فإن المنجز الأدبي و توثيق القصائد في ديوانٍ شعريٍّ مطبوعٍ يرسخ لصاحبه الإستمرارية في ذاكرة القارىء و الناقد معًا ؛ لأني أتمنى أن أرى لها إصدارًا تدخل به إلى مكتبة الشعر العربي الأصيل، فقط رصدتُ واقعًا أراه وآلمني عدم إنصاف الجماعة الأدبية للمبدعين وخاصة لأهل الظل منهم ، والشاعر الحقيقي يجب ألا يكون محايدًا إذا صادف صوتا مبدعًا وكيف يخذل المُبدعين أقرانه  من  فراشات التحليق في الظل ، وكيف يغض الطرف عن أصحاب المخطوطات الأدبية، قلت لنفسي ربما تقابلني  في صالون أدبي جاد آخر ،  وتهديني ديوانها المُوثَّق والمطبوع هذه المرة ،  بدلاً من قصائدها  التي تلقيها من دفتر لها  ولكنني فوجئت برحليها إلى جوار ربها في يناير عام 2025م،

وقد رثاها الشاعر العراقي" عباس شكر" مودعًا إياها بتلك الأبيات:

لفاطمةٍٍ تبكي العيونُ السواكبُ

وقد علمتْ أنَّ الرحيلَ مصائبُ

تغمدها اللهُ الرحيمُ جنانهُ

ورحمةُ ربِّي بالبرازخِ صاحبُ

رحلت فراشة الظل ،

رحلت " فاطمة جوهر " تاركةً خلفها رصيدًا بانسانيتها قبل إبداعها،

والحقيقة الراسخة هى أنها أكثر موهبةً من آخريات يملأن الدنيا ضجيجًا وصخبًا وليس طحينًا،  كانت تهتم بالكيف أولا وتجعله سمةً من سمات نصوصها وإن كانت مقلة في إصداراتها

 ، هكذا هو المبدع سيظل مبدعًا حتى لو كان إنتاجه نصًا واحدًا أو بضعة نصوص ، ستظل عينية ابن زريق البغدادي مثلا في قلب الشعر العربي علامة وكذلك رائية المنخل اليشكري وهما من أصحاب القصائد اليتيمات ورغم هذا كانت بمثابة بطاقة عبور للخلود، وأعتقد أن هائية فاطمة جوهر سترسخ حضورها في وجدان الناس، وهى من القصائد التي لاتُنسى .

المشـاهدات 66   تاريخ الإضافـة 05/01/2026   رقم المحتوى 69501
أضف تقييـم