الخميس 2026/1/8 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 15.95 مئويـة
نيوز بار
إشارة حسن البحّار ...مهارة السرد بروح الإبداع
إشارة حسن البحّار ...مهارة السرد بروح الإبداع
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب منذر عبد الحر
النـص :

لحسن البحّار سماتٌ لا تتوفّر عند غيره من الكتّاب , ومن هذه السمات , التي أعتقد أنه اكتسبها من حياة البحر العجيبة , الحدس الذي يرتبط عنده بالترقّب , وتحديد خطواته , لذلك يشعر القريب منه أنه يتصّرف وكأنه على سفينة في بحر متلاطم الأمواج !

هل يبدو هذا الأمر غريبًا ؟

ربّما هو كذلك , ولكن الاستغراق في الانتماء الوظيفيّ لمهنة ما , يجعل الفرد متلبّسًا دوره حنى وإن كان بعيدًا عن ممارسة مهنته , أما مدعاة هذا التصوّر الذي تولّد عندي , فهو قلقه الدائم الذي يشعرني دائمًا وأنا قريب منه , بأن هناك حدثّا قادمًا لابدّ لنا من الاحتياط منه !

هو لا يشير لذلك , ولكنه يوحي بعلامة ما من علامات سلوكه اليوميّ الذي يجعله متطابقًا تمامًا مع نصّه الإبداعيّ , سواء في فنّ السرد أم في أدب الرحلات , وقد أبدع بكليهما أبداعًا احترافيًّا عاليًا . 

من منطلق تصوّري عنه , قرأتُ روايته المهمّة "الإبحار إلى كالكوتا" .. التي يحيلني عنوانها إلى قطع مسار حياة معيّن , من أجل مغامرة مسار جديد في حياة بديلة , هل هي رؤية فلسفة وجود , هل هي رحلة خلاص أسطوريّة يبحث فيها البطل عن عشبة الخلود ؟

ربّما يبرر الراوي ركوبه البحر , وهنا تجدر الإشارة إلى أن لحسن البحار رأيًا خاصًّا  بدلالة البحر , التي يقول عنها في أكثر من مرة إن البحر يشكّل عند معظم الأدباء هاجسًا رومانسيًّا يعطي دلالات متنوّعة وكأنه لوحة زرقاء جميلة , رسمت عليها سفن وأشرعة ترافقها موسيقى حالمة وكلمات وجدانيّة محلّقة , بينما طبيعة البحر بعيدة كلّ البعد عن هذا الهاجس , فهو مواجهة الموت في كلّ لحظة , وهو قسوة الحياة والعزلة وتهديد المفاجآت التي يدرك معناها  البحّارون المحترفون الذين خبروا خفايا البحر وأسراره ...

لذلك تبدأ رحلة الإبحار إلى كالكوتا من هروب مختار , وبحث متواصل , وسفر دائم في مجاهيل العالم وموانئه , الرحلة أتخيّلها في رحاب الروح , ينتقل فيها الراوي بقعة إلى بقعة أخرى بتوتر شديد يجعل القارئ منتظرًا ما سيحدث , وما يمكن أن يفعله البحر في كيان قلق متذبذب يتموّج مع خيار البحر في رسم مصير السفينة ومن فيها , ولعلّ حادثة الغرق هي مثابة الدلالة الفكريّة والنفسيّة والجماليّة أيضًا لخرائط السرد ...

ثمّة أسئلة يثيرها البطل , أوّلها تحديد الهدف الذي لا يجيب عنه عالم الإبحار , حتى وإن كان مؤشرًا على الخرائط , فجغرافيا السفر في تخوم البحر , ليست هي احتدام الصراع الداخليّ المرير دائمًا ...

وثمّة هاجس يرافق كل سطر من سطور الرواية يتلخّص بعبارة " إنه البحر أيها السادة " .. لا تكتبوا عن ظاهره قصائدكم , بل عيشوا جنون أمواجه وصراخ أسراره وحزن مراسيه وبوح موانئه ...

يبني  حسن البحّار شخصيّاته ببثّ من روحه , بملامح تشير إلى تأثير كل شيء فيها في طبيعة الشخصيّة وميولها ودورها في نسيج القلق , ولا أدري لماذا لم أرَ شمسًا تشرق , أو قمر ينادم البحّارة أو زرقة صافية , أو أمل نوارس إلا بعد إحساسي بفوات الأوان ؟

أعتقد أن حسن البحّار يصرّ في سرديّته على  خصوصيّة " أدب البحر" هذا الأدب الذي يتميّز بسمات خاصة وعوامل لا يمكن توفّرها في كاتب يحمل سنّارة صيد على شاطئ نائم يتأمل انسياب الماء بهدوء وحياد يجمّله الصيادون وهم يمرّون بقواربهم ويرددون الأغنيات , لا أطن أن هذا الكاتب الذي يدعوه خياله للكتابة عن البحر سيدرك طبيعة المكان والبيئة وطقوس التعامل مع هدير البحر , لذلك يكتب عن نهر يتسع في ذهنه ليصبح بحرًا في عرائس وجنيّات وقراصنة وكلّ ما تفرزه ثقافته المتولّدة من القراءة والتأمّل عن البحر , فيكتب أدبًا متوهّمًا أنه أدب بحر .

هذا الأمر يؤكده البحّار حسن في كلّ رواياته  وقصصه التي تناولت عامل البحر وتعامل الإنسان معه في كلّ تحوّلات مزاجه وما يصادفه سواء في تخوم البحر أم على اليابسة التي يشعر فيها – كا يومي لي حسن البحار – أنها تتموج تحته في إيحاء من قلقه الدائم ......

لا أريد شرح موضوع رواية " الابحار إلى كالكوتا" لأنني سأدخل في تأويل دوافع الرحلة من صناعة السبب إلى الحياة في عوالم تركيا ثم الوصول إلى كالكوتا , لكنني أؤكد أن حسن البحار صاغ بمهارة سرد عالية عالمًا وجوديًّا مليئًا بالأسئلة والدهشة مع ترسيخ مفهوم أدب البحر الذي يجمع بين أدب الرحلات والفن الروائي , بلغة خاصّة ومفاهيم لا تستخدم إلا مع عالم البحر وآفاقه ...

إن الإبحار إلى كلكوتا , عمل سرديّ متقن يجذب القارئ ويجعله متماهيًا مع مسارات الأحداث التي تبنى على فلسفة ذكية ورؤية متقنة ...أحيي المبدع الرائع حسن البحار على إنجازها . 

المشـاهدات 68   تاريخ الإضافـة 07/01/2026   رقم المحتوى 69575
أضف تقييـم