| النـص :
بعد إتمام العملية الأميركية في فنزويلا بالقبض على رئيسهانيكولاس مادورو وزوجته سيليا فوريس ، اتجهت التعليقاتوالتحليلات صوب الأثر الذي سيتركه الاستحواذ على النفطالفنزويلي و تأثير ذلك على الأمن والاقتصاد العالميين ،والبعض عرض الأخطار التي ستلحق بالدول المنتجة للنفطوالتي يمر نفطها عبر مضيق هرمز ، معتبرين بان أمنها أصبحمكشوفا وقد لا يحظى بالحماية الأمريكية بعد أن توفر البديلالنفطي من خارج آسيا ( من أمريكا الجنوبية ) ، وآخروناعتقدوا أن ذلك سيحقق الأهداف الأمريكية في السيطرة على أسعار النفط وخفضها بالمقدار الذي تختاره ، مستندين بذلكإلى أن فنزويلا تحوي احتياطي ضخم من النفط ، وهي تملكفعلا أكبر احتياطيات نفطية في العالم وتقدر بأكثر من 300 مليار برميل بما يعادل 18 % من مجمل الاحتياطي العالمي .و أغلب النفط الفنزويلي يقع في حزام أورينوكو، وهو نفط ثقيلوفائق الثقل ويتميز بلزوجته الكثيفة التي تشبه دبس السكروالبعض يسميه ( العسل الأسود) ، ويحتوي على تركيز أعلىمن الكربون المساهم في ارتفاع درجة حرارة الأرض مقارنةًبالنفط الخفيف ، وبسبب لزوجته يعد استخراجه أكثر صعوبةًواستهلاكًا للطاقة ، وهذا النفط لا يتدفق من البئر كسائلولاستخراجه يجب تسخينه عبر ضخ البخار داخل الآبار ،ويحتوي على تركيز أعلى من الكربون المسبب للاحتباسالحراري مقارنة بالأنواع الأخرى ، ولا تتوقف الآثار عندالاستخراج فارتفاع نسب الكبريت في هذا النفط يجعله أكثرصعوبة وكلفة في التكرير لتحويله إلى المنتج المستهدف مثلالبنزين والديزل ، كما يتطلب استخراجه استخدام معداتمتخصصة وعملية أكثر كثافة استهلاكا للطاقة مما يؤديلزيادة التلوث المناخي ، ووفقًا لوكالة الطاقة الدولية فان كثافةانبعاث الميثان من عمليات النفط والغاز في فنزويلا تبلغ 6 أضعاف المتوسط العالمي ، وبسبب مواصفاته فان التقديراتالمتداولة في السوق تشير إلى أن سعر التعادل لإنتاج برميلالنفط الفنزويلي تصل لأكثر من 80 دولاراً ، وهو مستوى أعلىبكثير من الأسعار العالمية الحالية ما يجعل الجدوىالاقتصادية للاستثمار محدودة في المدى القصير .وبسبب الحصار الأمريكي ، فان نفط فنزويلا مر بأزمات كبيرة ، فالإنتاج انخفض بشكل حاد في نهاية 2025 ووصل لـ963 ألف برميل يوميا أي بأقل من ثلث ما كان ينتجه قبل عشرسنوات ، وتشير بعض البيانات إلى أن الحفاظ على معدلإنتاج النفط الحالي سيتطلب استثمارات تزيد عن 53 ملياردولار على مدى السنوات الخمس عشرة المقبلة ، كما تشير أنرفع مستوى الإنتاج إلى 3 ملايين برميل يوميا سيتطلب مبلغاكبيرا يصل إلى 183 مليار دولار ، وهي تكلفة باهظة في عالميعاني أصلا من وفرة في النفط وانخفاض الأسعار ، ورغم ذلك فان النفط الفنزويلي يبقى يدق ناقوس الخطر لمنتجي النفط ،فلكونه ثقيل وعالي الكبريت فانه جذابا للمصافي الأمريكيةالقديمة التي تستطيع معالجته بأقل تكلفة مقارنة بالنفطالخفيف ، ويمثل النفط الفنزويلي فرصة مغرية للرئيسالأمريكي ( ترامب ) الذي يركز على الوقود الاحفوري ، ووضعبالفعل رؤية لاستثمار شركات النفط الأمريكية بملياراتالدولارات لاستخراج هذا الذهب الأسود ، وأبدى إعجابه بالنفطالفنزويلي ، وقال : إن البلاد التي قبض عليها ستسلمه مايصل إلى 50 مليون برميل من النفط ، مؤكدا أنه سيديرعائداتها ، ونفط فنزويلا رغم مساوئه فانه سيبقى بديلاستراتيجي في الأزمات العالمية في حالات الحروب وعندالعقوبات على دول نفطية كبرى لكي لا تتعطل سلاسل الإمداد ،و فنزويلا احتياطيا استراتيجيا محتملا يمكنه تعويض نقصالمعروض ويمكن أن يوجه لأسواق العالم مثل الولايات المتحدة ( كونه يلاءم بعض المصافي المتخصصة بالنفط الثقيل ) ، الصينوالهند كجزء من تنويع مصادر الطاقة ، كما يمكن له التأثير فياستقرار أسعار النفط عند عودة فنزويلا إلى طاقتها الإنتاجيةالسابقة ( 3 مليون برميل / يوم ) ، وكل ذلك يتم إلى جانب التوجه نحو الطاقة البديلة ( النظيفة ) .وبهذا الصدد أعلنت شركة النفط الوطنية الفنزويلي أنها دخلتفي مفاوضات مع الجانب الأميركي لبيع كميات من النفط الخامإلى السوق الأميركية ، في تطور يعكس بداية تعاون عملي بعدسنوات من العزلة والعقوبات ضمن نوايا التحكم في عملياتبيع الخام لفترة غير محددة وتوجيه العائدات عبر قنواتتحددها واشنطن ، وأكدت الإدارة الأميركية أن هذه الخطوةتأتي بالتوازي مع تخفيف تدريجي للعقوبات المفروضة علىقطاع الطاقة وفتح المجال أمام شركات النفط والخدمات النفطيةالأميركية للعمل داخل فنزويلا ، كما أوضحت واشنطن أنخطتها تهدف إلى إعادة بناء صناعة النفط الفنزويلي التيشهدت تراجعاً حاداً خلال العقد الماضي ، مع تعهداتباستثمارات بمليارات الدولارات لإعادة تأهيل الحقول والبنيةالتحتية المتدهورة ، وتطرقت التصريحات الأميركية إلى فتحالقطاع أمام الشركات الأميركية الذي من شأنه تعويض سنواتمن انخفاض الإنتاج وإعادة فنزويلا تدريجياً إلى موقع مؤثرفي سوق النفط العالمية في حال تهيأت الظروف الفنيةوالسياسية اللازمة .والخلاصة ، إن نفط فنزويلا يمثل قوة كامنة في الاقتصادالنفطي العالمي و قد يكون تأثيره الحالي محدودا ، لكن أياستقرار سياسي ورفع للعقوبات يمكن أن يعيد لفنزويلا دورامؤثرا في أسواق الطاقة العالمية ، و إن نية الولايات المتحدةليس هدفها تخفيض أسعار النفط فحسب ، لأنها لو أرادت ذلكفبإمكانها رفع العقوبات على إيران وروسيا وزيادة المعروضالنفطي ، وإنما هدفها السيطرة والتحكم بمخزون النفطالعالمي بحيث تمتلك القرارات المستقبلية المتعلقة بالنفط ، وتلكالأمور تدل وتبرهن على إن النفط سيبقى من السلعالاستراتيجية بغض النظر عن نمو واستخدام الطاقة البديلة ،وذلك يتطلب استراتيجيات جادة بخصوص المخزونات وجعلاستخدامها بالشكل الرشيد لمواجهة تحديات المستقبل بما يمكنمن مخزونات ، ونخص بالذكر الدول الريعية التي تعتمدبتمويلها على النفط.
|