السبت 2026/2/14 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
السماء صافية
بغداد 18.95 مئويـة
نيوز بار
سؤال الخراب والانكفاء في الرواية
سؤال الخراب والانكفاء في الرواية
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

د. سمير الخليل

تجسّد رواية (عندما يتأخّر الرجال) للكاتب (خالد ناجي ناصر)، صور الخراب والوجع والضياع الذي استبدَّ في مراحل الانكفاء السياسي، وتردّي الواقع في زمن الاستبداد بمختلف أشكاله، سواء أكان تمركزاً تسلّطياً أم أنّه نتاج استبداد خارجي متمثل بالاحتلال وافرازاته المقيتة على مستوى منظومة المجتمع، وتناثر القيم وتأجيج الصراع الناشب بين الثنائيات المتضادّة مثل (الخير والشرّ) و(الضعف والقوّة) و(المرأة والرجل) و(النقاء والفساد). تعبّر الرواية عن مكابدة الإنسان وهو يخوض صراعاً مزدوجاً ضد هيمنة وفساد الآخر، ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وسط طوفان من القيم الزائفة التي غالباً ما تطفو على السطح، نتيجة استشراء الظواهر السلبية التي تمثّل علامة على مأزومية الإنسان والحياة وانسداد أفق القادم.

يسرد الراوي ما حدث من انقسام وخراب، ومظاهر القتل والقمع واختلاط القيم، في زمن النظام السابق، وهيمنة التسلط والأجهزة ورجال الدولة على الواقع الاجتماعي والسياسي، والرواية تحكي مكابدة الطبقات الشعبيّة، وشخصيات الهامش التي نالت كثيراً من القسوة والعنف والإقصاء.

ولعلّ مزيّة هذه الرواية أنّها أوصلت رسالتها بعفوية صادقة وتعبير حقيقي من دون تعقيد أو غموض أو التباس، فكانت على وفق هذا التوّجه رواية واقعية اجتماعية مؤطرّة بنزعة انتقادية، وفضح جانب من المسكوت عنه، وتروي حكايات تكشف عن التناقض الاجتماعي، وصور الصراع وزيف الشخصيّات وتحولاتها، التي غالباً ما ترتبط بالمصالح الخاصّة والنزوع الأبوي.

اتسمّت أسلوبية الرواية بالاختزال وعدم الاستغراق في مزالق الاستطراد والفائضية السردية، من خلال التركيز على معاناة ثلاثة اشقّاء هم: (طه) و(عبد الأمير/ أموري)، و(عبد الغني/ غناوي) ومعاناتهم في ذلك الزمن على الرغم من أنّهم يعملون في واقع اجتماعي يقترب من حافة الفقر والعوز، إذ اتخذوا من (فرن الصمون) عملاً لهم، وتناوبوا على السهر عليه لتدبير رمق العيش، ورصدت عمال الأفران من الشرائح المهمشّة، والفاعلة في حضورها الاجتماعي، لكنّ الكثير من الأعمال لم ترصد مثل هذه الطبقة أو الشريحة الاجتماعية.

وقد مثل المقطع الاستهلالي في الرواية نقطة الجذب الأولى في تجسيد صراع الأخوة الثلاثة، وتشابك خيوط الصراع بينهم وبين المجتمع وظهور حادثة قتل الضابط (نبيل) الذي كان يتردّد على الفرن وعلى الأخص على (أمير) حيث ارتبط معه بعلاقة اجتماعية تبادلا الزيارات والتواصل.

تبدأ الرواية بالسرد الذاتي بضمير المتكلم للراوي المشارك، متمثّلاً بشخصيّة (طه) الذي يمثّل أيضًا الشخصيّة المركزية أو الرئيسة في مجمل بنية الرواية حيث يفيض استهلالها بالقول: "لا يعرف ما يعانيه عامل الصّمون إلاّ عامل مثله، ولا فائدة أبداً من شرح هذه المعاناة لغير المعنيين والعارفين، لكن هذا لا يعني أنّ عملهم لا يتضمّن في هوامشه حكايات تروي للآخرين، حكايات تنحّي تعب العمل وهمومه جانباً لتظهر وحدها، وتكشف عمّا وراء نثار الطحين، وعرق وحرارة الفرن من مشاعر الحب والكره، أو الحقد والتسامح، في الأقل هناك حكاية واحدة يجب ألا تهمل، وقد وقعت عليها مليّا وأصبحت الجزء الأهم من حياتي لذا سأحكيها بإفراغ ما بذاكرتي عنها كي لا تمرّ تفاصيلها من غير تدوين فلا يعود لها من أثر...". (الرواية: 7).

انطلاقاً من هذا الاتجاه في السرد الذاتي نجد أنّ ملامح البوح الشخصيّ على وفق صيغة (تيار الوعي) للشخصيّة الرئيسة وهو يروي الحادثة التي تمثّل بؤرة البدء والتوتر الدرامية في مجمل البناء الفنيّ، ويصف الراوي أو الشخصيّة المركزيّة طبيعة الأخوة الثلاثة، وسلوكهم وطباعهم سواء داخل العمل في الفرن أم خارجه، ومنذ البدء يفضي باختلاف الميول بين الاخوة في أفكارهم، وتنطلق البنية السردية في الرواية في مسار يوازن بين رواية الأحداث التي وقعت بسبب مقتل الضابط (نبيل) وما تلاها من صراع وتطورات كبيرة وبين وصف البنية الاجتماعية والأمكنة التي عمل بها (طه) وهو ينتقل من مكان إلى آخر، ومن مدينة إلى أخرى، ومن فرن إلى آخر تبعاً لتحوّلات الحياة، والحاجة إلى العمل واستئناف الحياة.

وهناك ومضة في عمق السرد لوصف وعي الشخصيّات وهي إشارة إلى أن طبقة عمال الأفران ليس من المستغرب أن يكونوا على وعي وثقافة واستعداد للاشتباك مع أزمات وتحولات الواقع آنذاك، وما سادت فيه من أشكال الصراع والتداخل والزيف، يقول الراوي: "تجمعنا نحن الأخوة الثلاثة عشق غريب للقراءة على الرغم من أن لا أحد منّا قد أكمل دراسته، وهي عادة زرعها ابونا (;) الذي كان معلّماً شيوعياً، وهنا قد يتلمس القارئ تناقضات لا حاجة للتطرق إليها". (الرواية: 10)، والغريب أن الروائي تدخل بشكل خرق فيه فنية العمل حين يذكر القارئ الحقيقي الذي تجاوزه علم السرد.

أسلوب قطع الخطيّة السرديّة والتدخل أو التعليق من قبل الشخصيّة تكشف عن نزعة واقعيّة وعفويّة البوح، وتقديم المعلومات التي تمثّل الاطار الاجتماعي وشكل الوعي والانتماء الآيديولوجي فهم أبناء معلم يساري، وبذلك وضع الكاتب بؤرة التناقض بين هذا النمط من الشغيلة الذين اقتربوا كثيراً من الفكر الماركسي، وهذه ظاهرة اجتماعية حدثت في العراق وتمثلّت بميل الطبقات العمالية والشخصيّات المهمّشة إلى الفكر الماركسي، بسبب التوّجه العام لهذا الفكر واهتمامه بتفعيل ودور مثل هذه الطبقات.

ولعلّ هذا الأمر قد انعكس سلباً عليها نتيجة استهداف النظام السابق لمثل هذه الطبقات وعدّها من القوى الاجتماعية التي تسعى لتقويض سلطته ومعاداة شعاراته وتوجهاته العبثية في التسلّط واشعال الحروب وسيادة منطق القمع والاستغلال واقصاء الآخر، وتلك هي المساحة الدرامية التي أفضى بها السرد ليؤسس عليها ما تراكم من أحداث وافتعال لاستهداف مثل هذه الشخصيّات بدءاً من مقتل (نبيل) الضابط واتهام (أمير) بقتله، ومن ثم اعدامه، وذلك الصراع الدامي يعكس وجهاً من أوجه الصراع الاجتماعي والسياسي، ويقدّم صورة لشكل الاستبداد، وبطش النظام آنذاك.

وتبدو شخصيّة (طه) هي الشخصيّة التي تحمل كثيراً من الوعي، ولذا نلحظ السرد الذي ينطلق على لسانه يمثّل بوحًا اجتماعياً، ويشكل أيضًا نوعًا من المراقبة لما حدث وتراكم من الأحداث، وترصد الرواية بشكل واقعي مجتمع الأحياء الشعبيّة وواقعها المزري وما عانت منه خلال مظاهر الخراب والوجع إبان مرحلة النظام السابق مثل (السيديّة والثورة) وغيرها من أحياء بغداد وترصد الرواية واقع مدن خارج بغداد مثل السماوة وكربلاء وغيرها من المدن وهو سعي لتصوير الحياة في أكثر من بيئة ومدينة.

وبدأ الأخوة يعانون من رقابة ومتابعة الأجهزة الأمنية نتيجة مقتل (نبيل) واضطرهم ذلك إلى التشرّد والبحث عن الأماكن الآمنة لهم حفاظاً على حياتهم، "استمرّ الحال على هذا سنة أو أقل ربما، حتى جاء ذلك اليوم الذي كنت فيه قادماً من البيت، وقبل أن أدخل المنطقة استوقفني بصورة غير متوقعة نقطة للشرطة أو الأمن، أو ربّما جهاز أمني، فتّشوني بدّقة، كان تجمّعهم مخيفاً، ويوحي بالرهبة والخطر، سألوني عن سبب وجودي بالمنطقة فأخبرتهم بأنّي صاحب الفرن فسمحوا لي بعد أن كتبوا اسمي وبيانات أخرى، على دفتر ملاحظات صغير بنّي اللّون، يحمله أحدهم وصوروا بطاقتي بكاميرا، وكان هذا غريباً في ذلك العهد، اتسّم تعاملهم بالحدّة من دون خشونة أو ارتباك وبلا انفعال". (الرواية: 20). فالمقطع فيه كثير من طاقة التوثيق وتسليط الضوء على شكل الرقابة التي كان يقوم بها رجال الدولة والأجهزة الأمنيّة وتصور الرواية مشاهد كثيرة للتعبير عن هذا النوع من القمع والاضطهاد من دون مسوّغ، ونلحظ في مقاطع أخرى كيف يصف الراوي شكل الملابس ولونها وهي ترمز إلى رجال الحزب وميليشياته حين يقول: "لم أفهم سبب كل ذلك إلاّ بعد أن وصلت الفرن ووجدت رجالاً بالزي الزيتوني، واللّباس المدني يحملون أسلحة مختلفة الأنواع والأشكال، يملأون الزقاق ويحيطون بالفرن، سمحوا لي بالدخول بعد أن أخبرتهم بأني صاحب الفرن، وحين دخلت وجدت أن العمل متوقف والعمّال يتجمعون في زاوية بعيدة، وعليهم إمارات الخوف بل الهلع، يتوسطهم (أمّوري) الذي انتحب فور رؤيتي قائلاً: - لقد قتلوا نبيل... مات حبيبي نبيل". (الرواية: 20).

إنَّ هذا المشهد يكشف أنّ قتل (نبيل) لم يكن من قبل (أمير) لكنّه دفع الثمن مع عائلته وتشرّدها، وتلك من أساليب النظام لتدبير اعتقال الآخرين، وافتعال التهم الجاهزة، ولكي تكون الحكاية مبررّة ثم ربط الحادث بعلاقة مزعومة قد قامت بين (باهرة) زوجة (نبيل) و(أمير).

وتتراكم أحداث الصراع بعد هذه الواقعة وهي استعارة مقطعيّة لمئات القصص التي تفتعل بشكل مستمر لتعبّر عن الوجه المكفهّر للنظام وأجهزته القمعية آنذاك، ومن الملاحظات التي يمكن الاستدلال عليها على مستوى تفكيك المعاني والافكار والصور التي أراد النص الروائي أن يختزلها عبر الإيحاء بالحوادث أو الصور، فوجود (الفرن) بوصفه مكاناً لعمل لشغيلة وطبقات مسحوقة فإنه يعبّر عن دلالة أخرى مؤطرة بالترميز بعد أن تحوّل الوطن بكلّ مساحاته ومدنه، وأزقته إلى (فرن) يعاني من شواظّه جميع أفراد المجتمع، وبعد أحداث ومقتل كثير من الشخصيات والاستهداف المستمر الذي تسرده الرواية نلحظ أن الواقع ينقلب فجأة بعد أحداث الاحتلال (2003م) وما شهده الواقع من تغييرات وانعطافات واختلالات لا تختلف عن تناقضات وازمات وقسوة الحياة ابان الاستبداد.

ولعلّ الرواية كانت تمتلك أفقاً قصديّاً في هذا المعنى حين تصوّر الواقع الكالح لكلا المرحلتين مرحلة الاستبداد الدكتاتوري، ومرحلة استبداد وتمكّن الاحتلال، وترصد الرواية أيضًا تحوّل الناس إلى ميول (إيمانية) وظهور التدين والتستّر بالدين، وهي الطبقات نفسها التي كانت تمارس الزيف والاختلال القيمي قبل مرحلة الاحتلال، وتبرز شخصيّة (الشيخ منتظر القوقازي) الذي يقول عنه الراوي: "انتبهت إلى حديثه البطيء واتذكر أنه طلب أن تكون لقاءاته بالآخرين في مكان آخر، فتوافقوا على حسينية (العقيلة) مبرّراً أن المقهى لا يمكن أن يصلح للقاء ديني". (الرواية: 74). والمقطع السردي يوثّق جذور ظاهرة الزيف الديني، وصور الاحتراب الهوياتي الذي كان أحد نتائج الاحتلال وأجنداته، وبذلك فالرواية تكشف عن الواقع المتهرئ الذي صنعه الغزو الأميركي إذ تحول المجتمع إلى ساحة لصراع الهويّات والأفكار الغرض منها إشاعة الاحتراب والانقسام، وتمزيق هوية المواطنة، وقد شهدت الرواية كثيراً من ظواهر الموت لاسيما موت (ناهض صاحب المكتبة) وتلك صورة للاستهداف القائم على مثل هذه الصراعات التي اهتم الكاتب بالاستغراق في تفاصيلها.

ولعلّ المباغتة التي تركّز عليها الرواية وهي تحمل كثيراً من الغرابة، والدلالة حين يكتشف (طه) إنَّ الشيخ (منتظر القوقازي) لم يكن سوى شخصيّة (العقيد جليل) الذي كان يمارس دوراً قمعياً في النظام السابق، وقد تحوّل إلى رجل دين مزيّف ويعمل مع الإرهاب، وهذه اللّمحة تدل على تداخل الصور والأوراق والسلوكيات في واقع متناقض يحمل الكثير من القبح والخراب، وأشكال الزيف، "لكن المفاجأة بالنسبة لي لم تكن هذه أبداً، بل ما رأيته على كتفه الأيسر، إنها العلامة ذاتها التي كانت تشغلني حين كنت في السجن، بعد اكتشاف علاقتنا بمقتل نبيل، وحمة حجمها بقدر نصف الكف تقريباً بلونين الأحمر عند الحواف، وأسود في الوسط، لا يمكن لي أن اخطئ فيها لأنّها كانت تشبه إلى حدٍ ما تمثالاً صغيراً". (الرواية: 85)، وهذه الدلالة أو الوحمة تتّخذ إشارة إلى الأدران، والمظاهر السلبية، وترمز إلى حجم التشوّه الذي يحمله البشر حين يتحولون من دور مزيّف إلى دور مزيّف آخر، إشارة إلى تحوّل رجل الدولة (العقيد) إلى رجل دين مزيّف، وترصد الرواية القمع الآخر الذي عانته شخصيّات الرواية لاسيما شخصيّة (طه) الذي تحوّل إلى مطارد وهو يبحث عن ملاذ آمن بعد أن شهده المجتمع هذا الانقلاب على مستوى النسيج الاجتماعي وصراع الهويات والأفكار والاهواء.

الرواية ترصد التسلسل أو ملامح الخراب والزيف، وتوثق جانباً منه من خلال الصراع القائم بين القيم المحتدمة والمتضادّة، ويمثّل المشهد الختامي في الرواية الأجواء الكابوسيّة التي وصلت إلى ذروتها ولم يستطع (طه) على الرغم من ابتعاده في منطقة نائية في عمق منطقة مكتظّة بالبساتين: "كان كل واحد منهم يقف في كبسولة مغلقة شفّافة عازلة، لاشيء يجمعهم سوى الدهشة حدّ البلاهة، التي تطغى عليهم وهم ينظرون إليّ بغضب وإصرار الصيادين الماهرين، مع أن عيونهم غير مستقرّة كأنهم يبحثون عن شيء ما معي، في هذه اللحظة لا استطيع أن أقرّر بعد أن سدّدوا جميع فوّهات أسلحتهم نحوي إن كانوا سيطلقون حقاً أم لا...". (الرواية: 132)، ولعلّ مشهد الذروة الختامي الذي اختزل سؤال الخراب الممتد من الاستبداد الدكتاتوري، وإلى الاحتلال السوداوي في إطار رؤية سردية توثّق كل هذا الهذيان في الرواية الجمالية.

المشـاهدات 1244   تاريخ الإضافـة 24/01/2026   رقم المحتوى 70077
أضف تقييـم