الخميس 2026/1/29 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
غائم
بغداد 16.95 مئويـة
نيوز بار
تأثير الذكاء الاصطناعي على دقة الأخبار و التحقق الإعلامي
تأثير الذكاء الاصطناعي على دقة الأخبار و التحقق الإعلامي
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب د. عصام البرّام
النـص :

 

 

 

يشهد العالم الإعلامي تحولات جذرية متسارعة بفعل التطور التكنولوجي، ويأتي الذكاء الاصطناعي في مقدمة هذه التحولات بوصفه أداة مؤثرة أعادت تشكيل طرق إنتاج الأخبار ونشرها والتحقق من مصداقيتها. ومع تزايد الاعتماد على المنصات الرقمية وتراجع الزمن الفاصل بين وقوع الحدث ونشره، أصبحت دقة الأخبار وموثوقيتها تحدياً مركزياً تواجهه المؤسسات الإعلامية. في هذا السياق، يبرز الذكاء الاصطناعي كعامل مزدوج التأثير، إذ يمكن أن يكون وسيلة لتعزيز الدقة والشفافية، كما يمكن أن يشكل تهديداً خطيراً إذا أسيء استخدامه.أدخل الذكاء الاصطناعي أنماطاً جديدة في العمل الصحفي، بدءاً من جمع المعلومات وتحليل البيانات، وصولاً إلى كتابة الأخبار آلياً ونشرها على نطاق واسع. تعتمد العديد من المؤسسات الإعلامية اليوم على خوارزميات قادرة على تتبع الأخبار العاجلة، وتحليل اتجاهات الرأي العام، ورصد المحتوى المنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي. هذا التطور أسهم في تسريع العملية الإخبارية وزيادة كفاءتها، لكنه في الوقت نفسه فرض تحديات جديدة تتعلق بمدى دقة المحتوى الناتج، خاصة عندما يتم الاعتماد على مصادر غير موثوقة أو بيانات غير مدققة.من الجوانب الإيجابية البارزة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام قدرته على تحسين دقة الأخبار من خلال تحليل كميات هائلة من البيانات في وقت قصير. تستطيع الأنظمة الذكية مقارنة المعلومات الواردة من مصادر متعددة، واكتشاف التناقضات، وتنبيه الصحفيين إلى الأخطاء المحتملة قبل النشر. كما يمكن لهذه التقنيات المساعدة في التحقق من الأسماء والتواريخ والأرقام، وهي عناصر غالباً ما تكون عرضة للخطأ البشري، خاصة في ظل ضغط الوقت.أصبحت عمليات التحقق الإعلامي أكثر تعقيداً في عصر تنتشر فيه الأخبار بسرعة غير مسبوقة. وهنا يلعب الذكاء الاصطناعي دوراً مهماً في دعم فرق التحقق من خلال أدوات قادرة على فحص الصور ومقاطع الفيديو، والكشف عن التلاعب الرقمي، وتحديد المحتوى المزيف أو المعدل. هذه الأدوات ساعدت على مواجهة ظاهرة الأخبار الكاذبة، التي باتت تهدد ثقة الجمهور بالإعلام، وتؤثر في الاستقرار الاجتماعي والسياسي.

 

مواجهة الأخبار الزائفة والتزييف العميق

 

مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، ظهرت أشكال جديدة من التضليل الإعلامي، أبرزها ما يعرف بالتزييف العميق، حيث يتم إنتاج صور أو تسجيلات صوتية ومرئية تبدو حقيقية لكنها مفبركة بالكامل. هذا النوع من المحتوى يشكل تحدياً خطيراً أمام الصحافة التقليدية، إذ يصعب أحياناً تمييزه بالعين المجردة. في المقابل، طورت المؤسسات الإعلامية أدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي نفسه لاكتشاف هذه المواد المزيفة، مما يؤكد أن المعركة حول دقة الأخبار أصبحت معركة تقنية بامتياز.على الرغم من الإمكانات الكبيرة التي يوفرها الذكاء الاصطناعي، إلا أنه لا يخلو من مخاطر تتعلق بالتحيز. فالخوارزميات تتعلم من البيانات التي تُغذى بها، وإذا كانت هذه البيانات منحازة أو غير متوازنة، فإن النتائج ستكون كذلك. في المجال الإعلامي، قد يؤدي هذا التحيز إلى تضخيم وجهات نظر معينة، أو تهميش قضايا وأصوات أخرى، مما ينعكس سلباً على دقة الأخبار وتنوعها. لذلك، فإن الاعتماد غير النقدي على الذكاء الاصطناعي قد يخلق وهماً بالموضوعية، بينما تكون الحقيقة عكس ذلك.

 

دور الصحفي في عصر الذكاء الاصطناعي

 

لم يعد الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الصحفي، بل أصبح أداة مساندة تتطلب إشرافاً بشرياً واعياً. فالصحفي يظل المسؤول الأول عن تقييم المعلومات، وفهم السياق، واتخاذ القرار الأخلاقي المتعلق بالنشر. إن الجمع بين قدرات الإنسان التحليلية والقيم المهنية، وبين سرعة ودقة الأنظمة الذكية، يمكن أن يشكل نموذجاً متوازناً يعزز جودة العمل الإعلامي ويحافظ على ثقة الجمهور.يثير استخدام الذكاء الاصطناعي في التحقق الإعلامي أسئلة أخلاقية مهمة تتعلق بالشفافية والمساءلة. من حق الجمهور أن يعرف كيف يتم إنتاج الأخبار والتحقق منها، وما إذا كانت خوارزميات آلية قد تدخلت في هذه العملية. كما تبرز ضرورة وضع أطر قانونية ومهنية تنظم استخدام هذه التقنيات، وتضمن عدم انتهاك الخصوصية أو التلاعب بالمعلومات تحت غطاء الابتكار التكنولوجي.

 

مستقبل دقة الأخبار في ظل الذكاء الاصطناعي

 

يتجه مستقبل الإعلام نحو مزيد من التكامل بين الذكاء الاصطناعي والعمل الصحفي، حيث ستصبح أدوات التحقق الآلي جزءاً أساسياً من غرف الأخبار. هذا التكامل قد يسهم في رفع مستوى الدقة والسرعة معاً، شرط أن يتم توظيفه ضمن رؤية مهنية واضحة تضع الحقيقة في المقام الأول. إن التحدي الحقيقي لا يكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في كيفية استخدامها، وفي قدرة المؤسسات الإعلامية على الحفاظ على معاييرها الأخلاقية وسط سباق محموم نحو السبق الصحفي.يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي أصبح عاملاً حاسماً في معركة دقة الأخبار وعمليات التحقق الإعلامي. فهو يحمل في طياته فرصاً كبيرة لتعزيز المصداقية ومواجهة التضليل، لكنه في الوقت نفسه ينطوي على مخاطر حقيقية إذا غاب الوعي والرقابة. وبين هذين الحدين، يبقى الرهان الأساسي على الصحفي والمؤسسة الإعلامية، وعلى قدرتهم على توظيف التكنولوجيا لخدمة الحقيقة، لا العكس، حفاظاً على دور الإعلام كسلطة معرفية مسؤولة في المجتمع.تلعب دقة الأخبار دوراً محورياً في بناء الثقة بين وسائل الإعلام والجمهور، وهي ثقة تعرضت للاهتزاز في السنوات الأخيرة بسبب الانتشار الواسع للمعلومات المضللة وسرعة تداولها. وفي هذا الإطار، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في استعادة جزء من هذه الثقة إذا ما استُخدم بصورة مسؤولة. فحين يشعر المتلقي بأن الأخبار المنشورة قد خضعت لعمليات تحقق دقيقة، مدعومة بتقنيات متقدمة قادرة على رصد الأخطاء والتلاعب، فإن مستوى الاعتماد على الوسيلة الإعلامية يزداد، ويترسخ دورها كمصدر موثوق للمعلومة.تواجه المؤسسات الإعلامية، خصوصاً في العالم العربي، تحديات إضافية في تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي في مجال التحقق الإعلامي، من بينها ضعف البنية التحتية الرقمية، ونقص الكوادر المتخصصة، وغياب استراتيجيات واضحة للاستخدام المهني لهذه الأدوات. كما أن اللغة العربية نفسها، بتعقيداتها وتنوع لهجاتها، تشكل تحدياً أمام الخوارزميات المصممة في الغالب لخدمة لغات أخرى. ورغم ذلك، فإن الاستثمار في تطوير تقنيات ذكاء اصطناعي تراعي الخصوصية اللغوية والثقافية العربية أصبح ضرورة ملحة لمواكبة التحولات العالمية في صناعة الأخبار.

 

التدريب الإعلامي في العصر الذكي

 

يفرض التحول نحو الذكاء الاصطناعي إعادة النظر في برامج تدريب الصحفيين والإعلاميين، بحيث لا تقتصر على المهارات التقليدية، بل تشمل فهماً أساسياً لآليات عمل الخوارزميات، وحدودها، ومخاطرها. فالإلمام بهذه الجوانب يمكّن الصحفي من استخدام الأدوات الذكية بوعي نقدي، ويمنعه من الوقوع في فخ الاعتماد الكلي عليها. إن الصحافة في عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد مجرد نقل للخبر، بل عملية معقدة تجمع بين التقنية والتحليل والمسؤولية الأخلاقية.في ضوء هذه التطورات، يبدو أن مستقبل دقة الأخبار وعمليات التحقق الإعلامي سيظل مرتبطاً بقدرة المؤسسات الإعلامية على تحقيق توازن دقيق بين الابتكار التكنولوجي والقيم المهنية الراسخة. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته، يبقى أداة بيد الإنسان، وتظل الحقيقة هي البوصلة التي يجب أن توجه استخدامها. ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي هو على إعلام قادر على توظيف الذكاء الاصطناعي لتعزيز الدقة، لا لتبرير الأخطاء، وعلى صحافة تدرك أن التكنولوجيا وسيلة لخدمة الجمهور، لا غاية بحد ذاتها.

المشـاهدات 52   تاريخ الإضافـة 29/01/2026   رقم المحتوى 70178
أضف تقييـم