الأصول الميتة ..كيف تُخنَقُ الثروة داخل العقار العراقي، وتُضعِف سوق التمويل المصرفي؟
كيف تحوّلت المجمعات السكنية الاستثمارية إلى ثروة معطّلة ؟!![]() |
| الأصول الميتة ..كيف تُخنَقُ الثروة داخل العقار العراقي، وتُضعِف سوق التمويل المصرفي؟ كيف تحوّلت المجمعات السكنية الاستثمارية إلى ثروة معطّلة ؟! |
|
كتاب الدستور |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب د. مهدي البناي |
| النـص :
أصدرت محكمة التمييز العراقية مؤخراً قراراً تمييزياً مثيراً للاهتمام بخصوص (عدم إمكانية اجبار مستثمري المجمعات السكنية على نقل ملكية الوحدات السكنية أو تسجيلها ملكاً للمشترين في دائرة التسجيل العقاري) ! وبالتالي حرمان حائز الوحدة السكنية من المطالبة القانونية بالتمليك الرسمي.لن اناقش الجانب القانوني للقرار، وتبريرات القانونيين بارتباط الموضوع بقانون الاستثمار رقم 13 لسنة 2006 بخصوص تمليك الأرض للمستثمر أصلاً ، لكن أحاول التطرق لأثره الاقتصادي.. وأرى أن ذلك يحوّل مدخرات الناس الى (أصول ميتة) أو (رأس مال ميت (Dead Capital، أي الأصول التي تمتلك قيمة سوقية، لكنها غير مسجلة تسجيلًا نهائياً، ومن ثم غير قابلة للرهن، أو محاطة بقيود قانونية تمنع استخدامها كضمانات مصرفية.ففي الاقتصاد، لا تُقاس الثروة ببساطة بما نملكه فقط، بل بما يمكننا تشغيله. ولا تُقاس الثروة بعدد وقيمة المباني ، ولا بكمية الأموال السائلة المتداولة ، بل بقدرة الأصول على الدخول في الدورة المالية والائتمانية.الأصول التي لها مظهر من القيمة السوقية Market Value، لكنها خارج الدورة الاقتصادية، لأنها غير مسجلة، أو غير معرّفة قانونياً، أو غير قابلة للاستخدام كضمانات ائتمانية Collateral ، هي (أصول ميتة) وفي العراق مثال صارخ على هذه المفارقة، خصوصاً في سوق العقار الحديث ، والمجمعات السكنية الاستثمارية التي حرمت (فردياً) من التسجيل كملكية فردية مستقلة.ومن هنا تبرز إحدى أكبر المفارقات في الاقتصاد العراقي .. توسّع عمراني ملحوظ، مجمعات سكنية حديثة، أسعار عقارات مرتفعة… مقابل قطاع مصرفي ضعيف الدور، وتمويل عقاري شبه غائب ، أي سوق عقاري كبير… دون وظيفة تمويلية !في كتابه (سر رأس المال) لَخَّصَ الاقتصادي البيروفي هيرناندو دي سوتو الفكرة بوضوح حين أشار إلى أن المشكلة في كثير من الدول ليست نقص الثروة، بل وجود ثروة كبيرة خارج النظام القانوني والمالي، أي ثروة لا يمكن تحويلها إلى رأسمال عامل. وهذا الوصف ينطبق بدرجة كبيرة على العقار في العراق، خاصة الوحدات العقارية التي أُنشئت ضمن المجمعات السكنية الاستثمارية الحديثة.فبالإضافة الى التعقيد التاريخي للملكية العقارية في العراق المتمثلة بغابة من أشكال التملك (صرفة، ملكية الرقبة مع حق التصرف، مفوضة بالطابو، أراضي باللزمة، أميرية، وقف ...الخ) وكلها عدا (الصرفة) غير قابلة للرهن، فان المشاريع السكنية الاستثمارية الحديثة تُفَرَّخ نوعاً جديداً من الملكية الميتة المقتصرة على حق الانتفاع !!!تشير التقديرات إلى أن حجم سوق العقارات في العراق يتجاوز المليار دولار سنوياً، مع نمو متزايد مدفوع بالزيادة السكانية وتطور نمط الحياة الحضرية والطلب المتزايد على السكن. لكن في المقابل، في الوقت الذي تُظهر فيه الإحصاءات أن الائتمان المصرفي الممنوح للقطاع الخاص لا يتجاوز نحو 14% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى منخفض جدًا مقارنة بالمتوسط العالمي الذي يقترب من 40% .. هذه الفجوة الرقمية تعكس حقيقة واضحة، أن العقار في العراق يُستخدم للانتفاع مبدئياً كسكن، وكمخزن للقيمة، وتحرم منه الوظيفة المهمة الأخرى كأداة لتحريك التمويل والاستثمار، ويمكن وصف مشاريع المجمعات السكنية الاستثمارية أنها حداثة عمرانية وأصول ميتة مالياً.يفترض أن تكون المجمعات السكنية الحديثة أكثر تنظيماً وقابليةً للتمويل، لكنها في الواقع تعاني من إشكالات تجعل وحداتها السكنية غير مقبولة كضمان مصرفي رغم اكتمال بنائها.أبرز هذه الإشكالات:أولًا: الملكية الجزئية ، في حالات كثيرة ، لا يحصل المشتري على سند ملكية مستقل ونهائي، بل يحصل على عقد تخصيص أو (عقد خارجي) أو استمارة حجز مرتبطة بالشركة المستثمرة أو بعقد الاستثمار. ومن منظور الائتمان المصرفي ، لا يُعد هذا النوع من الوثائق ضماناً قابلاً للرهن.ثانياً: قيود على الأرض الممنوحة للمستثمر أصلاً ، غالبًا ما تكون أرض المشروع مملوكة للدولة أو خاضعة لعقد استثماري طويل الأجل أو مرهونة على مستوى المشروع ككل، ما يمنع رهن الوحدات السكنية المقامة عليها بشكل فردي.ثالثًا: فجوة مؤسسية ، هنا تكمن المشكلة التي أشار إليها الاقتصادي دوغلاس نورث، حين أكد أن مستوى جودة الأداء الاقتصادي يتحدد بجودة ورصانة المؤسسات لا بحجم الموارد. ففي العراق، الاجازة الاستثمارية لا تعني بالضرورة ملكية مسجلة، والتسليم والانتفاع لا يعني قابلية الرهن، ما يخلق أصولاً (حيةً فعلياً) لكنها - ميتة مالياً . تجارب دول عدة تُظهر أن هذه المشكلة ليست قدراً محتوماً، كانت تركيا على سبيل المثال قد واجهت توسعًا عمرانيًا سريعاً ومشكلات تسجيل مشابهة في تسعينيات القرن الماضي. غير أن إصلاح نظام التسجيل العقاري (الطابو) وربطه مباشرة بالمصارف، أتاح تطوير سوق رهن عقاري فعّال، وجعل العقار أداة تمويل لا مجرد مخزن للثروة.وفي ماليزيا، لا يُسمح ببيع وحدات المجمعات السكنية الاستثمارية إلا بعد وضوح الملكية الفردية وقابليتها للرهن، مع إدخال المصارف مبكراً في تمويل المشروع ورقابته. وهكذا تولد الوحدات السكنية (حيّةً مالياً) منذ اليوم الأول.في بيرو، كانت ملايين العقارات غير مسجلة وتُعامل كأصول هامشية. لكن عبر برنامج وطني لتبسيط التسجيل وتحويل الحيازة إلى ملكية قانونية، اضيفت هذه العقارات إلى النظام المالي، ما سمح باستخدامها كضمانات مقبولة في سوق الائتمان العقاري. وكان الدرس هنا أن قيمة الأصل (الائتمانية) لا تُخلق في السوق، بل في السجل العقاري.هذه التجارب تشترك في فكرة واحدة هي أن لا قيمة اقتصادية حقيقية لعقار لا يمكن تسجيله ورهنه وتنفيذ ضمانه.إضافة لحرمان مالك الوحدة السكنية من استعمالها كضمان للحصول على تمويل معين يساهم في مشروع استثماري جديد أو توسيع مشروع قائم، فان أثره الأكبر على سوق الائتمان (سوق الرهن العقاري) والتوسع المصرفي أيضاً. فغياب الضمانات العقارية القابلة للتنفيذ يدفع المصارف إلى تجنب التمويل طويل الأجل، والتركيز على نشاطات قصيرة الأمد، أو مضاربات أو نشاطات هامشية أو الاحتفاظ بالسيولة بدل تشغيلها.ويرى الاقتصادي جوزيف شومبيتر أن الائتمان هو الاداة التي ينقل بها الاقتصاد الموارد من الاستخدام التقليدي إلى الاستخدام المنتج. لكن هذه الاداة ستتوقف تماماً عن العمل عندما لا تكون العقارات جزءاً من من نظام الضمانات.نقص الأصول القابلة للرهن يؤدي بالمصارف الى رفع الى كلفة التمويل وكلفة التأمين على الضمانات، وتشديد الشروط، واستبعاد شريحة واسعة من المواطنين ولا سيما الطبقة الوسطى من سوق الائتمان. فتتحول المجمعات السكنية إلى سكن نقدي للأثرياء، لا أداة للشمول المالي.والأثر الاقتصادي الاوسع سيتمثل بضعف الشمول المالي، وتوسع اقتصاد النقد خارج المنظومة المصرفية ، وتضخم أسعار العقارات دون إنتاجية حقيقية ، وتعميق الفجوة الاجتماعية. وهنا تصدق مقولة فريدريك هايك بأن السوق لا يرسل إشارات صحيحة عندما تكون حقوق الملكية غير واضحة أو غير قابلة للتسجيل.في هذه المرحلة ، يشكل حرمان ملاك الوحدات السكنية في المشاريع الاستثمارية السكنية من تسجيل عقاراتهم في السجل العقاري، واثبات ملكيتها جزءاً من أزمة تحَجًر سوق التمويل المصرفي في العراق، الذي ربما لا يعاني من نقص بناء ولا قلة مشاريع سكنية، بل نقص قابلية هذه الأصول على الدخول في النظام المالي. فالعقار الذي لا يمكن رهنه، والملكية التي لا يمكن تسجيلها، تبقى ثروة صامتة خارج الدورة الاقتصادية.حكم القضاء لا يمكن مناقشته فهو (عين الحقيقة) لكن يمكن تغيره بتشريع قانون يتلافى الخلل أو الفجوة في القانون القديم ، الأصول الميتة ليست قدراً محتوماً، بل نتيجة خيارات مؤسسية وتشريعية قابلة للتغيير.وما لم تتحول الوحدات السكنية من مجرد جدران صامتة إلى أصول قابلة للتمويل، سيبقى العقار ثروة معطّلة، وتبقى المصارف بعيدة عن دورها التنموي الحقيقي. |
| المشـاهدات 175 تاريخ الإضافـة 01/02/2026 رقم المحتوى 70222 |
أخبار مشـابهة![]() |
المدن السكنية الجديدة.. تحديد نسب الموظفين المشمولين وشمول 21 فئة بالخطة
|
![]() |
وزير البيئة: إعداد استراتيجية لإدارة ملفات المياه والنفايات والتصحر والتنوع البايولوجي
البنك المركزي يقلّص فائدة قروض "الطاقة الشمسية" إلى 2.5% |
![]() |
شراكة أممية–عراقية لترجمة بيانات التعداد السكاني إلى سياسات تنموية
|
![]() |
كشفت خططاً مرورية وأمنية متكاملة للزيارة الشعبانية
الداخلية تعلن انطلاق الخطة الخاصة بزيارة النصف من شعبان |
![]() |
وزير الصدر يرفض لبس الأكفان في زيارة شعبان
مكتب السيد الصدر يرسل قافلة مساعدات إلى غزة |
توقيـت بغداد









