السبت 2026/2/7 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
السماء صافية
بغداد 13.95 مئويـة
نيوز بار
حين يقصى الذكاء ويكافأ الولاء
حين يقصى الذكاء ويكافأ الولاء
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب د. حسين الانصاري
النـص :

 

 

 

 

قرأت قبل ايام حوارا بين صحفي ومدير لأحدى الشركات  الصينية  ومن ضمن الاسئلة التي لفتت نظري ووجدتها قريبة من الواقع الذي نعيش. حين سأل الصحفي :

 

يقال إن بعض الأمم أذكى من غيرها. ما رأيكم؟

 

الآخر:  الذكاء لا يقتصر على أمة من الأمم.  بل يتجلى في التخطيط الواعي والتطبيق الناجح

 

الصحفي:  وهذا التخطيط من يضعه اليوم؟

 

الاخر بعد صمت:  اولئك من اصحاب الكفاءة والعلم  والاختصاص

 

الصحفي : ولكن هؤلاء  في مجتمعنا  نادرون.

 

الاخر : ربما مبعدون او انهم مقصيون ،  ولكن لماذا ؟

 

الصحفي:  لانهم يملكون الأسئلة ويطمحون إلى التغيير؟

 

الاخر : مبتسما بهدوء:   تقصد إن هؤلاء نادرا ما يجدون موقعا. غالبا ما تنتظرهم المنافسة غير العادلة والإقصاء الصامت.

 

الصحفي:   نعم  والمواقع لا يشغلها. اصحاب الكفاءة  بل لمن يعرف البقاء؟

 

الاخر: تقصد من يجيد اللعب والمراوغة، لا لمن يعرف الطريق.  و بهذا الحال من الطبيعي. ان يصبح  المبدعون  خارج الدائرة، يتأملون  الواقع من بعيد، أو يختفون بهدوء.

 

الصحفي : نعم  وهنا  يجلس المتسللون على كراسيهم دون سؤال، ويصنعون قرارات بلا رؤية حكيمة ونافعة.

 

الاخر : ثمة خلل كبير في الاختيار

 

الصحفي بعد لحظة:  الفرق ليس في القدرة والذكاء والتميز، بل في من يسمح له بالمشاركة

 

الاخر: ومنهم هؤلاء  ؟

 

،  من لا يزعزون النظام السائد ، أما من يملك الأسئلة، فصار يدرك منذ البداية أن الطاولة لن تدعوه.

 

الاخر  : إذن بعد هذا  لم يعد السؤال عن الذكاء، بل عن مكانه. فالمشكلة ليست في ندرة العقول، بل في آلية إقصائها.

 

الصحفي:  بالضبط ،في كثير من السياقات، لا يصل إلى مواقع القرار من يفكر، بل من يتقن التكيف والولاء. لا يتم اختيار الأقدر، بل الأقل إرباكا وأكثر انسجاما مع السائد والمطلوب .

 

ومع الوقت، تتحول المواقع العامة إلى مساحات آمنة للرداءة. التفكير النقدي يصبح عبئا، والمبادرة مخاطرة، والرؤية تهديدا للاستقرار القائم. وهكذا، يبتعد المبدعون بهدوء، بعضهم يغادر المشهد، بعضهم يختفي، وبعضهم يتعلم كيف يطفئ صوته ويصمت.

 

في المقابل، يتقدم من يحسن البقاء لا البناء. من يدير الزمن القصير ويتجنب الأفق البعيد. ليس لأنهم الأسوأ بالضرورة، بل لأن المنظومة تفضلهم. الرداءة هنا ليست صدفة، بل اختيارا متراكما. الوجوه نفسها النتائج تتكرر في كل مرة. قرارات بلا عمق، خطط بلا أثر، ومؤسسات تتحرك ببطء في عالم يركض. كل ذلك يحدث بينما الواقع يتغير بوتيرة لا تنتظر أحدا، فيما تستمر الإدارة بعقلية الخوف من التغيير. في هذا المشهد، لا يموت الذكاء، لكنه يفقد وظيفته. يصبح زينة خطابية أو رقما في أرشيف. أما المبدع، فيتعلم أن المسافة بين الفكرة والتنفيذ ليست تقنية، بل سياسية وثقافية.وحين تتسع هذه المسافة، يصبح التراجع  حالة مستمرة. لا لأن الموارد شحيحة، بل لأن من يمسك بها لا يرى أبعد من موقعه ومصالحه. لا لأن الإمكانات غائبة، بل لأن الخيال محاصر  واصحاب الكفاءات مهمشون  وهكذا  كلما صعد من لا يملك رؤية، وكلما أزيح من كان يمكنه أن يرى. الآفاق ،وفي اللحظة التي يصبح فيها الموقع أهم من المعنى، يتحول القرار إلى إجراء، وتغدو الإدارة شكلا بلا روح.فيسود التخلف والتأخر ويكون الحاضر فشلا والمستقبل ضائعا.

المشـاهدات 21   تاريخ الإضافـة 06/02/2026   رقم المحتوى 70389
أضف تقييـم