الثلاثاء 2026/2/10 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
السماء صافية
بغداد 16.95 مئويـة
نيوز بار
عشرون عاماً على رحيل عصام محفوظ: إرثٌ يتجاوز المسرح
عشرون عاماً على رحيل عصام محفوظ: إرثٌ يتجاوز المسرح
مسرح
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

 

الحسام محيي الدين

 

جعل عصام محفوظ خلاصة فلسفته النقدية في غير مصنف، مسترداً دور الناقد بالبناء على وعيه المعرفي، بالتراكم والنوع والخبرات، مع قناعته بأن الكتابة لم تعد مجدية إلا بالانفتاح على أجناس الفكر والأدب والفن، تعمقا وخبرة، لا إلماما فحسب، رائيا في ذلك ضرورة التعامل مع الحياة الإنسانية ككتاب مفتوح يقرأ فيه الجميع. ولد محفوظ عام 1939 في جديدة مرجعيون – جنوب لبنان، كان باحثا في التاريخ والتراث مثيرا للجدل، مترجما جيدا من الفرنسية، وكاتبا موسوعيا، نظم الشعر الحر وله فيه دواوين منها «أشياء ميتة» (1959)، «أعشاب الصيف» (1961) إلى كونه من رواد مجلة «شعر» (1958 ـ 1969) مساهما في تنشيطها، لكن شهرته المسرحية طغت عليه، كأحد رواد التأليف بعد أنطوان معلوف، فكتب: «الزنزلخت» (1963) «القتل» (1968) «كارت بلانش» (1970) «لماذا» (1971) «الديكتاتور» (1972) «11 قضية ضد الحرية» (1975) «التعري ومسرحيات قصيرة» (1985)، بالمجايلة مع أعمال نقدية من أجناس ثقافية أخرى، له منها: «دفتر الثقافة العربية» 1970، «الرواية العربية الطليعية» 1972، «سيناريو المسرح العربي» 1981 (أعيد طبعه 2018 ) «جورج شحادة ملاك الشعر والمسرح» 1989، إلى كتابه الضخم «مسرح القرن العشرين» في جزأين، فالأول عن المؤلفِين والثاني عن العروض، لتبلغ مؤلفاته أربعين مصنفاً على اختلاف أجناسها المعرفية. أما شهادته بالدراسات العليا في المسرح، فقد خولته تدريس مادة التأليف المسرحي في الجامعة اللبنانية منذ عام 1970 حتى عام 1975، كما كتبَ المقالة المسرحية في «جريدة النهار»، لسنوات طويلة وخلال مرحلة الحرب الأهلية، قراءات لكتب ونتاجات سينما ومسرحيات، وابتعد من آراء شخصانية، أو أفكار أيديولوجية مختلطة بالسياسة والمصالح، إذ اعتبر أن استشكال المجتمع وطنيا يكفي لتأسيس ثقافة تقارب وحوار تتجاوز تحديات الطائفية والسياسة بين مكونات الوطن الصغير.لقد لامست تجربة محفوظ الخمسين عاما. كان شاعراً حداثياً مفعماً بالكآبة والقلق الوجودي وبسلبية كبيرة، حتى هزيمة 1967 التي شكلت نقطة تحولٍ قاسية ومصيرية لمسيرته، فترك الشعر إلى المسرح السياسي، وكتب «الزنزلخت» الشهيرة، التي تصنف في طليعة الأعمال الموضوعة محليا كنص أصيل في تاريخ المسرح اللبناني المعاصر، وحملها صيغةً سياسية بمضامين ثورية ككل مسرحياته اللاحقة، ترافقَ ذلك ولَحِقَهُ نشْرُهُ للعديد من المؤلفات الفكرية التي تمحورت حول أفكار ورؤى أعلامِ التراث العربي من فلاسفة ومفكرين، أطرها على شكلِ حواراتٍ معهم بصبغةٍ فلسفيةٍ لها قوة الايحاء والتوليد، من أجْل إعادة استنباتِ رؤًى جديدة لأفكارهم من مكانه وزمانه، لم تخرج عن مفاهيمه المسرحية، وتكاملت معها بالانتفاض على الحالة الانهزامية العربية وقتذاك، معبرا خير تعبير عما أصاب جميع العرب، غير متكاسل عن تقديم الفكرة الخلاقة التي تبرز الشعور القومي الذي كان ضرورة بعد تلك النكسة، وتواؤم إحساسهُ واهتمامهُ بشؤون مُجتمعه وقضاياه المصيرية.بعد الشعر، لم يعد المسرح عملية إقبال عفوية أو خيارا سهلا للكُتاب، بل معركةً وجُهدا ونضالا إبداعيا، تنتشل النص من الاقتباس والإعداد عن طريق الترجمة، إلى التأليف، تأكيداً لكفاءة العقل العربي في التأسيس لتقاليد كتابة مسرحية خالصة تستلهم الواقع، والعبور بها على سكة اللبننة إلى الخشبات. أثبت محفوظ أن مقاربة محددات المسرح تنظيرا وتطبيقا، تنهض على ثقافة صانعه واجتهاده، عضوياً لا نظريا فحسب، فمارس الإخراج مرة وحيدة وأخيرة، في مسرحيته «لماذا» عام 1971، كما كانت له مساهمته الوازنة في تطوير وتقويم التجربة اللبنانية الحديثة، عاداً الدراسات الأكاديمية التي تتبنى المناهج النقدية، شمولية مقيدة بمعايير مُحددَة قد يُخطئ الناقد في تطبيقها، وقد يجهلها، مُشخصاً علاقة النقد بالإبداع من منظور استشرافي وجد قبولاً ولا يزال؛ فإذا كان الإبداع يسبق النقد، فإن الثاني يجب أنْ يواكب الأول درساً وتأويلاً وحُكْماً، قبل أنْ يجري تأثيره في المتلقي، وإلا قصر عن المواكبة وعن النتائج، ما يقتضي تشاركية فكرية مع رؤية المؤلف أمام الجمهور، إضافة إلى كونه محاولة واضحة لخلق منصة نقدية مُوازية ومواكِبة للنص المسرحي. لكن هذه التصورات حتمت على محفوظ أن يكون حجةً على نفسه، فعاش المسرح كحالة تجريب مُستمر، يمزج الفكرة بالغاية المُلحة لأجل التغيير، ويبدي مستويات قراءاته للتجربة اللبنانية، من مروحةٍ ثقافية تنظر وتطبق، هي جزء فعال من جماعة إنسانية وإن اختلفت انتماءاتها الأثنية أو العرقية أو الدينية، مع اعتقاده أن المسرح العربي نفسه وبرُمته حتى الحرب العالمية الأولى، هو مسرح لبنانيين، من ريادة مارون النقاش عام 1847، إلى رحيل الشوام من مجايليه باتجاه مصر الخديوية، وقيادتهم النشاط المسرحي هناك، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.لقد قامتْ المُنطلقات النظرية لعصام محفوظ على الخبرة، وليس أبدا على مدارس نقدية بعينها، وهو نفسه لم يتعمد يوما التنويه أو الإشارة إلى تأثره بمنطلقٍ منهجي محدد، بل قدم الموضوعية كمرتكز علمي أساس لأي نص يكتبه، فكان باختصار صاحب رؤية بحثية تستحق الاهتمام، ترجمتْ قدرته على القراءة الخاصة للنص الدرامي، ومن ثم على قراءة العرض بمكوناته الفنية، وكان بذلك أقرب إلى النقد الذي لا يخضع لقوانين أرسطية، منه إلى الانكماش على التأريخ والإحصاء اللذَين غلَبا على فحوى غالبية المراجع النقدية اللبنانية، رغم قلتها، وحيث يجب عدم نسيان أن محفوظ شاعر سابق تمرس في شعرية الخلق والتخييل الفذ، فمن الخير الاتصال بآرائه، كونها طريقة ناجعة للدرس والتأويل من غاية عملية تجمع الفائدة والجمال، وهي وإن كانت غير نهائية ولا يقينية ككل النقد، إلا أنها لازمة لمنع الفوضى، هذا إلى نجاحه في ابتكار عروض من حكاية وحبكة، هي ترجمة لتحولاته الفكرية، التي عالمها إعمال العقل والقياس على الواقع والحقيقة، إنما في قالب فني شمل أيضا موقفه من الإخراج والأداء، إذ يرى أن المُمثل هو أحد جناحَي العمل المسرحي مع الجمهور، وأن الفعل المسرحي يكتمل بمُمثل وجمهور، وربما من دون كلام ولا حبكة ولا فصول، لكن بتحقيق لحظة اتصال، في حين أن مستوى التصور الإخراجي عملية دينامية تربط النص بالجماعة من دون تعديله، بل يحاول كسر الإيهام وإلغاء الجدار الرابع الوهمي بين الخشبة والصالة، تأكيدا على المسرحة من زاوية جعل الجمهور شاهدا على نفسه، متلمساً مآسيه.توفي عصام محفوظ، الشاعر والناقد والكاتب المسرحي في 3 فبراير/شباط عام 2006، مانحا الحياة دفترا من الشعر والحب والتراث والفرجة.

المشـاهدات 7   تاريخ الإضافـة 10/02/2026   رقم المحتوى 70436
أضف تقييـم