| النـص :
تعد الرقابة الثقافية واحدة من أكثر الآليات حضورا وتأثيرا في علاقة السلطة بالإنتاج الرمزي والمعرفي فهي لا تقتصر على كونها إجراء إداريا لمنع نص أو عمل فني بل تمثل في جوهرها ممارسة سياسية تهدف إلى ضبط الوعي الجماعي وتوجيهه وفق تصورات محددة عن المقبول والمرفوض وعن الممكن والممنوع وقد رافقت الرقابة الثقافية نشوء الدولة الحديثة وتطورت بتطور أدوات الحكم وأساليب السيطرة ولم تكن في أي مرحلة مسألة ثقافية خالصة بل كانت دائما انعكاسا لصراع أعمق حول السلطة والمعنى والشرعية في صيغتها التقليدية ارتبطت الرقابة الثقافية بفعل المنع المباشر حيث تقوم مؤسسات رسمية أو غير رسمية بحظر الكتب أو مصادرة الصحف أو منع العروض المسرحية والسينمائية بدعوى حماية النظام العام أو الأخلاق أو الهوية الوطنية وغالبا ما كانت هذه الذرائع تخفي خوفا سياسيا من الأفكار النقدية ومن قدرة الثقافة على كشف التناقضات البنيوية في المجتمع وتعري آليات القمع والاستغلال فالمنع في هذه الحالة كان اعترافا ضمنيا بقوة الكلمة والصورة وقدرتهما على إحداث خلخلة في منظومة الطاعة السائدة غير أن المنع المباشر لم يكن دائما أداة ناجعة على المدى الطويل إذ كثيرا ما أدى إلى نتائج عكسية حيث تحولت الأعمال الممنوعة إلى رموز للمقاومة الفكرية واكتسبت انتشارا أوسع بفعل الفضول والتداول السري ومع تطور وسائل الاتصال وتراجع قدرة الدولة على التحكم الكامل في تدفق المعلومات بدأت أشكال الرقابة تتغير تدريجيا منتقلة من المنع الصريح إلى ما يمكن تسميته بالتكييف الثقافي وهو نمط أكثر نعومة ودهاء في إدارة المجال الثقافي يقوم التكييف الثقافي على إعادة تشكيل الإنتاج الثقافي بدلا من منعه وذلك عبر وضع شروط ومعايير للنشر والدعم والاعتراف المؤسسي تجعل المبدعين يمارسون رقابة ذاتية على أعمالهم دون الحاجة إلى تدخل مباشر من السلطة، ففي هذا السياق لا يقال للمثقف ما لا يجوز قوله بل يترك له أن يدرك حدود الممكن من خلال منظومة معقدة من الإشارات والعقوبات الرمزية مثل الإقصاء من المنابر الرسمية أو الحرمان من الجوائز أو التهميش الإعلامي وبهذا المعنى تصبح الرقابة أكثر فعالية لأنها تعمل من الداخل وتعيد إنتاج نفسها عبر الفاعلين الثقافيين أنفسهم تلعب المؤسسات الثقافية الرسمية دورا محوريا في هذا التحول إذ تتحول من أجهزة رقابة صريحة إلى أدوات تنظيم وتوجيه تحدد ما يعتبر ثقافة وطنية راقية وما يصنف باعتباره هامشيا أو مشبوها سياسيا ويتم ذلك غالبا عبر خطاب احتفالي يروج للتنوع والانفتاح في حين يضيق فعليا مساحة النقد الجذري ويشجع على أشكال تعبير منزوعة الدسم السياسي وقابلة للاستهلاك السريع وهكذا يجري احتواء الثقافة بدل قمعها وتفريغها من طاقتها التحريضية عبر إدماجها في منظومة السلطة كما أسهمت السوق الثقافية في تعزيز هذا النمط من الرقابة غير المباشرة حيث أصبح منطق الربح والتسويق عاملا حاسما في تحديد ما ينشر ويعرض فالناشرون والمنتجون يميلون إلى الأعمال الآمنة سياسيا والقابلة للبيع ويتجنبون المجازفة بنصوص قد تثير الجدل أو تستجلب غضب السلطات وهذا التواطؤ غير المعلن بين الرقابة السياسية ومنطق السوق يؤدي إلى تضييق أفق الإبداع ويحول الثقافة إلى سلعة تخضع لمعايير العرض والطلب أكثر مما تخضع لقيم النقد والابتكار في ظل هذا الواقع يجد المثقف نفسه أمام معادلة معقدة فهو مطالب بالاختيار بين الصدام المباشر مع السلطة وما يترتب عليه من تهميش أو عقاب وبين التكيّف مع الشروط القائمة لضمان الاستمرار والحضور وقد أفرز هذا الوضع أنماطا مختلفة من الخطاب الثقافي بعضها لجأ إلى الترميز والتورية كوسيلة للالتفاف على الرقابة وبعضها آثر الصمت أو الانسحاب وبعضها انخرط في خطاب تبريري يضفي الشرعية على السياسات القائمة باسم الواقعية أو المصلحة العامة وهنا تتجلى خطورة الرقابة بوصفها آلية لإنتاج الطاعة لا عبر القسر فقط بل عبر إعادة تشكيل الوعي والقيم ولا يمكن فهم الرقابة الثقافية بمعزل عن السياق الأيديولوجي الذي تعمل داخله فهي تتخذ أشكالا مختلفة تبعا لطبيعة النظام السياسي ولتصوره لدور الثقافة ففي الأنظمة الشمولية تكون الرقابة أكثر صرامة ووضوحا بينما تميل في الأنظمة ذات المظهر الليبرالي إلى الاختفاء خلف شعارات الحرية والمسؤولية الاجتماعية ومع ذلك فإن الهدف يبقى واحدا وهو ضبط المجال العام ومنع تشكل وعي نقدي مستقل قادر على مساءلة السلطة وكشف تناقضاتها إن الانتقال من المنع إلى التكييف لا يعني تراجع الرقابة بل يعني تحولها إلى ممارسة أكثر تعقيدا وفاعلية فهي لم تعد تعتمد فقط على الحظر والمصادرة بل على إدارة الرغبات والتوقعات وتحديد أفق الطموح الثقافي ذاته وهذا ما يجعل مقاومتها أكثر صعوبة لأنها لا تواجه بالقانون وحده بل بمنظومة كاملة من القيم والمعايير التي تبدو في ظاهرها طبيعية ومحايدة في مواجهة هذا الواقع تبرز أهمية الدفاع عن استقلالية الثقافة وعن حق المبدعين في التعبير دون وصاية سياسية أو اقتصادية فالثقافة الحرة ليست ترفا بل شرطا أساسيا لأي مجتمع يسعى إلى التطور والديمقراطية وهي القادرة على كشف آليات الهيمنة وفتح أفق التفكير النقدي وتوسيع مساحة الحرية وفي هذا السياق لا يكون الرهان فقط على إلغاء القوانين المقيدة بل على بناء وعي مجتمعي يدرك خطورة الرقابة الناعمة ويقاومها عبر دعم المبادرات المستقلة وخلق فضاءات بديلة للإبداع والنقاش. كما يمكن القول إن الرقابة الثقافية بوصفها أداة للضبط السياسي لم تختف بل أعادت تشكيل نفسها بما يتناسب مع تحولات العصر فبينما تراجع المنع المباشر لصالح التكييف والاحتواء بقي الهدف ثابتا وهو التحكم في المعنى وفي سرديات الواقع غير أن التاريخ يبين أن الثقافة قادرة دائما على إيجاد منافذ جديدة للتعبير وأن الصراع بين السلطة والحرية سيظل مفتوحا ما دامت الكلمة قادرة على الإزعاج وما دام الخيال قادرا على تجاوز الحدود المفروضة عليه. ويمكن تعميق هذا النقاش من خلال التوقف عند التحولات التي أحدثها الفضاء الرقمي في بنية الرقابة الثقافية وآليات اشتغالها فمع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية لم تعد الدولة الفاعل الوحيد القادر على المراقبة والمنع بل ظهرت أشكال جديدة من الرقابة اللامركزية تمارسها جماعات ضغط رقمية أو جيوش إلكترونية أو حتى أفراد عاديون يمتلكون قدرة على التحريض والتشهير وفرض الإقصاء المعنوي وهو ما يعرف بثقافة الإلغاء في هذا السياق تتقاطع الرقابة السياسية مع الرقابة الاجتماعية لتنتج مناخا عاما من الحذر والخوف يدفع المبدعين إلى مزيد من التحفظ والرقابة الذاتية حتى في فضاءات يفترض أنها أكثر حرية كما أن الخوارزميات التي تدير المحتوى الرقمي أصبحت بدورها أداة غير مرئية للضبط الثقافي إذ تقوم بتعزيز محتويات معينة وإخفاء أخرى وفق معايير تبدو تقنية ومحايدة لكنها في العمق تعكس مصالح اقتصادية وسياسية محددة وبهذا المعنى لم تعد الرقابة قرارا يصدر عن موظف أو مؤسسة بل عملية معقدة تشترك فيها التكنولوجيا والسوق والسياسة في إعادة تشكيل ما يصل إلى المتلقي وما يبقى على الهامش وهذا التطور يزيد من صعوبة تتبع الرقابة ومساءلتها لأنها تتخفى خلف لغة البيانات والفعالية التقنية في هذا المناخ المتشابك تزداد مسؤولية المثقف النقدي الذي لم يعد دوره مقتصرا على إنتاج نص معارض أو كشف فعل المنع بل أصبح مطالبا أيضا بفضح آليات التكييف الناعم وطرح الأسئلة حول شروط الإنتاج والتوزيع والانتشار ومن يملك السلطة على المنصات ومن يحدد ما يعتبر خطابا مقبولا أو خطيرا فالمعركة لم تعد حول نص ممنوع فقط بل حول بنية كاملة تتحكم في تدفق المعنى وتعيد ترتيب أولوياته إن مقاومة الرقابة الثقافية في صيغتها الجديدة تقتضي أشكالا مبتكرة من الفعل الثقافي تقوم على التضامن بين المبدعين وبناء شبكات مستقلة عابرة للحدود الوطنية واستثمار الفضاء الرقمي ذاته كمساحة بديلة للتجريب والنقاش الحر مع إدراك مخاطره وحدوده فكما كانت الثقافة عبر التاريخ قادرة على التحايل على المنع الصريح فهي اليوم مطالبة بابتكار استراتيجيات جديدة لمواجهة التكييف والإخضاع الناعمين من هنا، يتضح أن الرقابة الثقافية لم تعد مجرد مسألة قانونية أو إدارية بل أصبحت جزءا من معركة أوسع حول الحق في المعنى وفي سرد الواقع فإما أن تتحول الثقافة إلى أداة تزيين وتطبيع مع القائم أو تظل فضاء للمساءلة والاختلاف وهذا الخيار لا تحسمه السلطة وحدها بل يشارك في صنعه المثقفون والجمهور على حد سواء عبر وعيهم بدور الثقافة وقدرتها على مقاومة كل أشكال الضبط مهما بدت خفية وناعمة.
|