الثلاثاء 2026/2/17 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 9.95 مئويـة
نيوز بار
ما العلاقة بين القيم والأخلاق ؟
ما العلاقة بين القيم والأخلاق ؟
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب أ‌. م. د. عماد يوسف خورشيد
النـص :

الثابت أن الإنسان، يتحرك في الحياة وفق قواعد أصولية تحكم تعامله مع أفراد المجتمع، وإلا استحالت حياته إلى فوضى، وانعكس ذلك سلبًا على الأسرة والمجتمع. وإن المحرك الأساس لسلوك الإنسان هو منظومة القيم التي يلمس أثرها في واقعه. ونظرًا لوجود لبس لدى بعض الناس بين مفهومي القيم والأخلاق، مما أفضى إلى تشتت في السلوك، وهو ما لاحظناه لدى بعض طلبة الجامعات وغيرهم، فإننا نرى توضيح ذلك استنادًا إلى أسلوب علمي مع الإشارة إلى المراجع، وذلك على النحو الآتي:أولًا: تعريف القيم: عُرِّفت القيم في اللغة بأنها: "الثبات والاستقرار، وكل جيد وما له قيمة ممتازة. وهي الدالة على الفضائل الدينية والخُلُقية والاجتماعية. ولذلك يقول العلماء: أن وزن المرء مرتبط بما فيه من فضيلة، ووزن الأمة بما فيها من فضائل". أما معنى القيم في الاصطلاح: "فهي المثل والقواعد المستحسنة بالفطرة والعقل والشرع، والتي تقوم عليها الحياة الإنسانية، متميزة بها عن الحياة الحيوانية، ويمكن القول إنها القوانين والمحركات الداخلية الصامتة التي تعمل في سكينة بدون ضجيج وبلا كلل ولا ملل؛ لتصوغ ضميرًا حيًا. وتعد هذه القيم موجهة لسلوك الإنسان والتي تظهر في أفعاله عند اتخاذه موقفًا معينًا في أي واقعة كانت. انظر: (د. عماد يوسف خورشيد، نفائس قانونية وقيم إنسانية، هاترك للطباعة والنشر والتوزيع، 2026، ص 118).ثانيًا: تعريف الخُلُق: من خلال الاطلاع على معاجم اللغة؛ لاحظنا أن الخُلُق: (اسم). جمعه: أخلاق. الخُلُق: حالٌّ للنفس راسخةٌ تصدر عنها الأفعالُ من خيرٍ أو شرٍّ. وهناك: سَيِّئ الخُلُق/ ضيِّق الخُلُق: صاحب خلق رديء منحطّ. ووَدَاعةُ الخُلُق: لينُه ودماثتُه. وعُرِّف الأخلاق في الاصطلاح بأنها: قوة راسخة في الإرادة توجه سلوك الإنسان إلى ما هو خير أو شر. والخُلُق الحسن هو: قواعد إلزامية تتصل بالواجب عند الذات في شأن التعامل مع الغير خارج ميدان التبادلات. فهو الجسر النبيل بين الفرد والمجتمع من خلال العطاء المجرد عن الغرض للغير. (د. عزت قرني، أصول الأخلاق، الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطبعة الأولى، 2018، ص75، 425).ثالثًا: العلاقة بين القيم والأخلاق: تبين فيما سبق ان القيم هي الفكر المستقر في ثوابت المجتمع أو الإنسانية، بمعنى أنه النموذج المعرفي الكلي في توجيه سلوك الإنسان للالتزام به لمقاصد إنسانية عليا لاستقرار التعاملات بين الناس، ويظهر تطبيق ما تقدم في الأخلاق الحسنة. أما الأخلاق: فهي السلوك العملي للقيم – أعلاه - بمعنى تحويل معنى القيم إلى تطبيق واقعي عند التعامل مع الناس، ومثاله: أن الشخص يعلم أن هناك قيمة الصدق ويعلم جوانبه الإيجابية فيحولها إلى واقعه اليومي. وكذلك الأمانة عندما يؤتمن على أي شيء أو أمر يستحضر الأمانة ويكون تطبيقها على الواقع من خلال إرجاع الأمانة إلى أصحابها. (د. مختار عطا الله، https://www.youtube.com/watch?v=fKf_OlMlSU4 ). وبالأمثلة يكون الموضوع اوضح؛ ليرسخ فكرة الخُلُق والقيم لدى الشخص ذلك عندما قال رب العالمين سبحانه وتعالى لسيدنا محمد نبي الرحمة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ). سورة القلم آية 4. إنما يخبرنا رب العالمين بأن النبي كان قدوة في تحويل القيم التي جاءت بها الشريعة الإسلامية إلى واقع عند التعامل مع المواقف، نذكر من أمثلة القيم - وهي كثيرة- في قوله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا). سورة النساء آية 58. (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) سورة الإسراء آية34. ( وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) سورة لقمان آية 18. وتطبيق الأخير يظهر في أخلاق النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في الواقع بأنه: كان يجلس مع الفقراء، ويخصف نعله بيده، ويخدم أهله في البيت. وعُلِمَ أنه كان يلقب بالصادق الأمين. الصدق قيمة وترجمة الصدق على الواقع ظهرت في تجارته إلى واقع عملي قبل بعثة الإسلام. وهذا يدل على أن القيم وتطبيقها في الواقع من خلال الخُلُق كانت موجودة في المجتمعات السابقة، ولكثرة سوء تطبيقها ولحاجة الإنسانية أرسل الخالق خاتم الأنبياء، ولذلك قال سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ). فالتمسك بالأخلاق في كل مجالات الحياة يعد ضرورة أساسية في تماسك العلاقات الاجتماعية، وبخلافه فإن نسيج المجتمع يتمزق إذا ما تم السماح بخلق فراغ اجتماعي وفوضى حين تُهدم المبادئ والأخلاق، ويخرج الأسرة والمجتمع من حالة الطمأنينة إلى حالة الفوضى. (مالك بن نبي، ميلاد مجتمع، دار الفكر دمشق، الطبعة الثالثة، 1986، ص 67). ويجدر الإشارة إلى أن القيم والأخلاق هي أحد الأركان الأربعة في تكوّن ثقافة الشخص والمجتمع؛ إذ الثقافة هي التركيب العام لتراكيب جزئية أربعة: الأخلاق، الجمال، المنطق العملي، الصناعة. (مالك بن نبي، مشكلة الثقافة، دار الفكر، دمشق، الطبعة الرابعة، 1984، ص 67). وفضلا عن ذلك، فقد تجلى لنا في أعقاب فوز المنتخب المغربي في مباراة كرة القدم بنهائيات كأس العرب FIFA قطر 2025، كيف استلهم مدربهم، طارق السكتيوي، القيم النبيلة من الذكر الحكيم، مستشهداً بالآيتين الكريمتين: (إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا) سورة الأنفال، الآية 70، و (إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا) سورة الكهف، الآية 30. وقد تجسدت هذه القيم في الواقع العملي من خلال التحلي بأخلاق رياضية رفيعة، والإخلاص في الأداء، وإتقان العمل، الأمر الذي أثمر تحقيق الفوز وكسب محبة الجماهير.وأكثر من ذلك، قد يستعير احد الطلاب كتابًا من المكتبة ويقرأ فيه، وقد تراوده فكرة الاحتفاظ به وضمّه إلى ممتلكاته الخاصة. لكنّه سرعان ما يتذكر قيمة الأمانة وضرورة إعادة الحق إلى أصحابه، فيعيد الكتاب إلى المكتبة. هذا السلوك يُعدّ خُلقًا حسنًا، الدافع إليه قيمة الأمانة.رابعًا: ضمانات ترسيخ القيم والأخلاق الحسنة: اتضح مما سبق أن القيم هي المبادئ العامة النبيلة التي توجه سلوك الإنسان، وتتجلى في الأخلاق في الواقع العملي لتنظيم حياة الناس. وفي هذا السياق، يبرز دور العقل بوصفه أداة التمييز التي تمكن المرء من اختيار السلوك الأمثل في المواقف المختلفة. ولضمان تطبيق هذه القيم والحفاظ عليها، لا بد من تفعيل القوانين القائمة التي تحميها، وسن تشريعات جديدة تحظر المساس بقيم الفرد والمجتمع أو الاستهانة بها. ومن أبرز هذه التدابير، تقنين وتنظيم المحتويات الإلكترونية في مواقع التواصل الاجتماعي من قبل الجهات المختصة، حيث يهدف التشريع في جوهره إلى حماية وترسيخ القيم لتحقيق استقرار التعاملات في المجتمع، وهذا ما بحثنا في تفاصيله في مؤلف مستقل لأهميته، ونحيل الباحثين والمهتمين إليه؛ لتجنب الإسهاب في هذا المقام.( د. عماد يوسف خورشيد، نطاق تجريم عرض المحتوى الإلكتروني المخل بالحياء والآداب العامة، مكتبة التشريع القانونية، الطبعة الثانية، 2025).إضافة إلى ذلك، ينبغي تفعيل دور الأسرة في متابعة الأبناء وتوجيههم في تنظيم استخدام التقنيات ومواقع التواصل الاجتماعي، فالقيم تغرس في الأسرة، وتتعزز في المؤسسات التعليمية على اختلافها، لتثمر سلوكًا قويمًا في المجتمع.خامسًا: الخاتمة: لقد تجلى الدور المحوري للقيم والأخلاق الحسنة في تهذيب السلوك وتنظيم عمل الغرائز، وهو الأمر الذي يستدعي من كل مثقف ومربٍ وإعلامي ورجل قانون، ومن جميع مؤسسات الدولة، العمل على ترسيخ هذه القيم وإبراز النماذج الحية التي تجسدها في الواقع، سعيًا نحو الحد من المشكلات والجرائم في المجتمع قدر الإمكان.

المشـاهدات 34   تاريخ الإضافـة 17/02/2026   رقم المحتوى 70576
أضف تقييـم