محنة الأوبئة في النساي للروائي العراقي يوسف جابر المحسن![]() |
| محنة الأوبئة في النساي للروائي العراقي يوسف جابر المحسن |
|
فنارات |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب |
| النـص : حسن الموسوي روائي و ناقد
يقدم لنا الروائي يوسف جابر المحسن من خلال روايته النساي ثيمة جديدة و غريبة ، و النساي رواية متخيلة و تصنف من روايات الغرائبي و العجائبي . و { النص العجائبي منفتح على التخيل الذي يسمح بخلق صور حسية أو فكرية تختلف عن الواقع لكنها في الوقت نفسه تعبر عنه ، و بذلك يكون قريبا من الذاكرة التي تنطلق من الواقعي نحو المتخيل لتأكيد المفارقة و إبراز التناقض } . و الرواية رمزية أيضا ، و الغاية من الرمزية في الرواية هي عدم مساءلة الكاتب عن أفكاره كونه لا يمرر أفكاره بصورة مباشرة . العنوان من العتبات النصية و يعرف على أنه العتبة النصية الأولى و هو المدخل إلى المتن السردي، و يعرف أيضا{ مجموع العلامات اللسانية، كلمات مفردة، جمل، نص التي يمكن أن تدرج على رأس نص لتحدده و تدل على محتواه العام وتعرف الجمهور بقراءته } . الغلاف من العتبات النصية أيضا، وفيه نجد صورة لرأس انساس مشقوق بصورة كبيرة ، فيما خرجت الطيور من هذا الشق و حلقت بعيدا في دلالة على هجرة الذاكرة ، لكن المفارقة هل لهجرة الذاكرة دلالة على بقاء نوع و جنس الإنسان مثلما تفعل الطيور المهاجرة حينما تحافظ على جنسها بواسطة الهجرة . و يشكل الغلاف خطابا بصريا لأن الصورة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالمتخيل، كما أن الصورة تؤثر على المتلقي وتجعله يحلل ويتخيل مكونات المتن السردي المقدمة من العتبات النصية أيضا{ نعم لدينا ما يكفي من الميتات التي لم نبصرها كي نحياها ، فالهواء الذي لا يرى هو أبلغ صور الحرية وضوحا } . الإهداء من العتبات النصية{ إليها / بعد مئة عام / من التوق } . كتبت هذه الرواية بطريقة التسلسل المعكوس ، حيث تكون البداية من رقم 100 وصولا الى الرقم 1 في نهاية الرواية ، وهذا أسلوب يعتمد فيه الكاتب على المغايرة و عدم استخدام المألوف . تعتمد ثيمة هذه الرواية على إصابة اهالي القرية بداء النسيان ، لذلك فهم و لضرورة التعايش مع واقعهم الجديد فقد عمدوا إلى إيجاد طريقة جديدة للتغلب على داء النسيان { النساؤون الذين يتقنون الكتابة و القراءة شرعوا بتدوين ما يودون تذكره على ورق مقوى و قماش و على الجدران و جذوع الأشجار و أوراق البردي ، فالنساي آفة يصعب الشفاء منها بالنسبة للإنسان } ص 21 . افترض الكاتب أن هذه الآفة خطيرة و يصعب الشفاء منها ، والغاية هو تهويل المشهد و جعل آفة النسيان حقيقة لا يمكن تجاوزها أو القفز عليها ، و هناك ثمة حقيقة أخرى تكمن في أهمية تعلم القراءة و الكتابة ، فالانسان المتعلم من وجهة نظر الكاتب سوف يستعين بعلمه من أجل تجاوز هذه المحنة . و من وجهة نظر الكاتب ، و حينما أصيب أبناء المدينة بداء النسيان فقد تحرروا من قيود الذكريات ، تلك الذكريات التي كانت تثقل مخيلتهم { الناس الذين أصيبوا بالنساي أحسوا بأنهم أكثر نشاطا و حيوية ، ربما لأنهم تحرروا بعد أن كانوا مكبلين بذكريات الحنق و عدم الرضا و الآمال و الخيبات ، لقد وعوا أن النسيان هو أفضل طريقة للعيش بسعادة ، سعادة تلمسها الحيوانات أكثر من غيرها } ص 50 . و السؤال المهم الذي يطرح نفسه وسط هذه المتاهة ، هل بتنا نحسد الحيوانات على خلو ذاكرتهم من أي شيء ؟ و هل هذا الكلام صحيح ؟ أي هل أن الحيوانات لا تمتلك ذاكرة و لا تعيش على الذكريات. و يبقى السؤال الماثل أمامنا ، هل الذكريات مفيدة للإنسان، أم غير مفيدة ، و هل حقا انها تكبل الانسان و تجعله عاجزا . ان الذكريات مرتبطة ارتباطا كبيرا بالعاطفة و الحنين إلى الماضي، الحنين إلى الأشخاص و الأمكنة ، إلى كل شيء جميل تركناه وراءنا و أصبحنا فيما بعد نفتقده و نشتاق إليه. و من الأمور المهمة التي أشار إليها الكاتب أن داء النسيان ليس له القدرة على إصابة المجانين و كأنهم محصنين من هذا الداء الخطير ، لذلك هم في مأمن من شروره ، لذلك بقي المجانين محتفظين بذاكرتهم { الرافدين في مستشفى الاضطرابات العقلية امتلكوا المناعة و لم يصابوا بالنساي ، كانوا محظوظين ، فقد احتفظوا بما لديهم من خبرات و ذكريات جميلة أو مفزعة كالتي تدفع بهم إلى الصراخ ليلا ، لم يصابوا بفقدان الذاكرة و ما زالوا يذكرون نوع طعامهم و جرعاتهم من الدواء } ص 60 . و من أجمل ما قيل في الأدب الروسي{ الإنسان يتعلق بذكرياته لأنها الدليل الوحيد انه كان حيا يوما ما }. يستخدم الكاتب الوصف بطريقة مميزة { الجوع جندي تجيد الحكومات تدريبه ، أما الفرقة فمومس تضاجع المصلين في أحلامهم ليسيقظوا خضلين مبللين بسائلهم المنوي و بلذة تنسيهم وقت الصلاة } ص 149 . و يعرف الوصف في الرواية{ فن الرسم بالكلمات لتجسيد الشخصيات و الأماكن و الأحداث و احياء العالم الخيالي للقارئ } . يستخدم الكاتب الهوامش للمقارنة بين ما يقره علماء السلوك الحيواني و بين ما يقره الكاتب { علماء السلوك الحيواني يجدون في مدة الترقب و المطاردة البطيئة التي يقوم بها الذئب لقطيع من الغزلان البرية هو من أجل معرفة الغزال الضعيف و الذي يسهل اصطياده ، لكن الملاذ يقول الذئب يحاول ان يحدد الفريسة ذات الطعم الأفضل عبر حاسة شمه } ص 114 . و في هامش آخر { علماء السلوك الحيواني يشبهون هجوم الذئب على حظيرة خراف و قيامه بمهاجمة العشرات منها بالسلوك العدواني الأهوج ، لكن الملاذ و من خلال متابعته للذئاب طوال أعوام يقول بأن الذئب لا يعبث و إنما يختار الضأن الأفضل عبر التذوق و الشم فيبقى يهاجم إلى أن يجد لحما يعجبه } ص 115 . من مساوئ هذا الداء انه غير الفطرة السليمة لكل الكائنات { النساي محا ذاكرة الفريسة و الصياد و الآكل و المأكول و الهارب و المطارد من المدينة كثيرون ممن أصابتهم العدوى و انقلبوا إلى طينة الإنسان و سليقته في التهام الأقوات النباتية عودا منهم إلى فطرة الفرد في كونه نباتيا قبل أن يكتشف النار } ص 176 . السؤال الذي يطرح نفسه و بقوة ، ماذا لو اختل التوازن في الطبيعة ؟ ماذا لو ان المفترس ترك فريسته ، بالتأكيد سوف تفقد الطبيعة توازنها و بهذا يحدث الاختلال البيئي ، و نتيجة لذلك يحدث الفناء ، ففي الصين على سبيل المثال عندما قاموا بقتل العصفور ازداد الجراد الذي قام بدوره بالتهام الشنطة مما تسبب في وفاة الملايين من بني البشر . بعد أن فقد النساؤون دورهم ، جاء دور المجانين الذين تصدوا للوباء كونهم محصنين منه و وضعوا خطة لاحتواء الوباء و السيطرة عليه { المعتوهون قالوا بعد مداولة في خريبة مهجورة قبالة أقدم المقاهي دامت لساعات خلف أبواب مغلقة ، أن إقفال مداخل المدينة و بواباتها بشكل خاص من جهة الصحراء و إعادة تشييد السور القديم سوف يحول دون وصول المزيد من الاصابات أو تطور الحالات المرضية إلى وباء قاتل } ص 180 . في تطور لافت للأحداث نجد أن داء النسيان قد أثر على السلوك الجمعي للمجتمعات و جعلها أكثر تشددا في التعامل مع الآخرين و بالخصوص الغرباء يشير الكاتب الى مسألة بسيطة استفاد منها النساؤون مقارنة بما فقدوه في فترة النسيان { المدخنون حين أصيبوا بالنساي و بعد خيبتهم لمرات في التخلي عن لفائف التبغ وجدوا أنفسهم بعيدا عن المقاهي التي تسمح بالتدخين ، كانوا يعبرون عن العجب من الشخص الذي يحرق نارا و يمتص دخانها } ص 183 . فحجم الخسائر كانت كبيرة ، حين يفقد الانسان ذاكرته فإنه يفقد حاضره و مستقبله و هذا ما يتضح في المقطع التالي { الأهالي و بفعل النساي أصيبت أعداد منهم بالعمى لأنهم نسوا خطورة البحلقة الطويلة في الشمس } ص 195 . الرواية رمزية و فيه كثير من الرسائل و الأفكار التي حاول الكاتب اخفاؤها بواسطة طريقة ترميز الحدث . |
| المشـاهدات 14 تاريخ الإضافـة 17/02/2026 رقم المحتوى 70597 |
توقيـت بغداد









