الثلاثاء 2026/3/3 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 5.95 مئويـة
نيوز بار
القواعد الأمريكية تحت النار. والردع يحكم اللعبة
القواعد الأمريكية تحت النار. والردع يحكم اللعبة
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب علاء الخطيب
النـص :

 

 

جولات التفاوض بين إيران وأمريكا كانت تتأرجح بين السلام والحرب، لكن ما حدث خلال الساعات الأخيرة أعاد رسم المشهد بشكلٍ صارخٍ، حيث شنت إسرائيل غاراتٍ مباشرةً على أهدافٍ إيرانيةٍ، وجاء الرد الإيراني متزامناً، مستهدفاً إسرائيل أولاً ثم القواعد الأمريكية في قطر والبحرين والإمارات والكويت والأردن، في إشارةٍ صريحةٍ إلى أن الحسابات الاستراتيجية تتجاوز الحدود التقليدية، وأن أي مواجهةٍ لن تكون مع إيران فقط، بل مع كل القوى التي تدعمها أو تراهن على صراعٍ سريعٍ.

 

التمسك الإيراني بحقوقها الوطنية وقرارها المستقل أظهر حدود القوة الأمريكية في المنطقة. ما تريده واشنطن غير مقبولٍ لإيران، وما تطالب به طهران لا تقبله أمريكا، ومع ذلك يصرّ الطرفان على التفاوض. الإصرار الإيراني، وعدم ارتعابه أمام السفن الحربية والقواعد المنتشرة حوله، كشف أن القوة العسكرية وحدها لا تفرض الواقع، وأن أي ضربةٍ خاطفةٍ قد تتحول إلى مأزقٍ إقليميٍ طويلِ الأمد.

 

القيادة الإيرانية أظهرت قراءةً دقيقةً للواقع، معتبرةً أن الرد المباشر على إسرائيل ثم القواعد الأمريكية ليس مجرد رد فعل، بل خطوةً استراتيجيةً تعيد ترتيب الأوراق. الأمريكيون وجدوا أنفسهم أمام واقعٍ جديدٍ: كل مهلةٍ يحددها الرئيس تُقابل بردٍ إيرانيٍ حازمٍ على الأرض، ما جعل السؤال لا يدور حول القدرة على الضرب المباشر، بل حول القدرة على إدارة النتائج، والتعامل مع تداعياتٍ محتملةٍ تشمل الشرق الأوسط وأوروبا وأسواق الطاقة الدولية.

 

داخل الإدارة الأمريكية، الانقسامات عميقة، وتجاوزت مجرد جدلية حول المواجهة العسكرية أو الدبلوماسية، لتصل إلى مستوى نقدٍ لاذع للرؤية الاستراتيجية نفسها. السيناتور الديمقراطي  آندي كيم انتقد القرار الرئاسي وصفه بـ“الأحمق والغبي”، معتبراً أن ترامب كرر الخطأ الذي ارتكبه جورج بوش في غزو العراق، معرضاً آلاف الأمريكيين للخطر دون أي تهديد حقيقي من إيران للأمن القومي. هذه الانتقادات لم تقتصر على أعضاء الكونغرس، بل امتدت إلى الرأي العام الأمريكي، حيث انفجرت منصات التواصل الاجتماعي بموجة غضب وتساؤلات حول دوافع الحرب، متهمين نتنياهو بأنه المحرك الأساسي لها، وأن الأمريكيين قد يُضحى بحياتهم لمصلحة أجندات خارجية.

 

التدخل الروسي والصيني، ودعمهما لإيران بالعتاد والتقنيات، وضع المواجهة على مستوىٍ جديدٍ، حيث أي تحرك ضد إيران لن يكون محصوراً داخل حدودها، بل سيمتد ليطال موازين القوى الإقليمية والدولية، ويعيد ترتيب التحالفات التقليدية. الصور الفضائية التي عرضتها الصين للطائرات الإسرائيلية المفترضة "المخفية" كانت بمثابة رسالةٍ صارمة: القوة الأمريكية ليست مطلقةٌ، والحسابات الاستراتيجية دقيقة ومعقدة.

 

المواجهة الإيرانية  لإسرائيل ثم على القواعد الأمريكية لم تكن مجرد رد فعل، بل اختبار صارم لاستراتيجية إدارة الصراع الأمريكية، وقدرتها على إدارة أبعاد متعددة: سياسية، اقتصادية، عسكرية ودبلوماسية. كل خطوة أعادت رسم حدود المواجهة، وجعلت كل تحرك أمريكي أو إسرائيلي رهين حسابات دقيقة، وليس مجرد إرادة اندفاعية.

 

المفاوضات، رغم طولها وتعقيدها، تبقى الطريق الوحيد لإدارة الأزمة، لأن القوة وحدها لا تحسم شيئاً، والدبلوماسية ليست خياراً ضعيفاً، بل أداةً لإدارة شبكة حسابات دقيقة. أمريكا ليست عاجزة، لكنها تدرك أن فاتورة الضربة الباهظة ستضعفها داخلياً وتقلل هيبتها دولياً، بينما إيران تقيس حدود خصمها وتستثمر في التحالفات الإقليمية والدولية لصالح موقفها.

 

في العمق، يكشف الصراع الأمريكي–الإيراني هشاشة التوازنات الدولية، إذ القوة الحقيقية لم تعد مجرد امتلاك أسلحة أو قدرات عسكرية، بل القدرة على تحويل التهديدات إلى أدوات ضبط استراتيجية. الرد الإيراني على إسرائيل والقواعد الأمريكية أظهر كيف يمكن لخصم ذكي أن يجعل أي مواجهة مكلفة ومعقدة، ويجبر الأطراف الأخرى على إعادة التفكير في مواقعها وتحالفاتها. كل لاعب أصبح جزءاً من شبكة متحركة من النفوذ، حيث روسيا والصين ودول الخليج وحتى الحلفاء التقليديون ليسوا مراقبين فقط، بل عوامل قادرة على إعادة ترتيب الحسابات في أي لحظة.

 

الخلاصة، أن المواجهة الآن مفتوحة، لكن كل خطوة محسوبة، وكل ردّ يعيد ترتيب الأوراق على الأرض وفي العقلين الأمريكي والإيراني. السؤال الاستراتيجي يظل: هل ستبقى المواجهة محدودة أم ستتوسع لتشمل كامل التوازن الإقليمي والدولي؟ الواقع الجديد أعاد تعريف الحرب والسياسة، وأثبت أن أي مغامرة غير محسوبة قد تتحول إلى لعبة شطرنج إقليمية–دولية، حيث لا حرب مباشرة حتمية بعد، لكنها لم تعد افتراضية، وكل حركة تُقاس بالدقة والوعي وليس بالقوة وحدها.

المشـاهدات 53   تاريخ الإضافـة 02/03/2026   رقم المحتوى 70697
أضف تقييـم