الخميس 2026/3/12 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 15.95 مئويـة
نيوز بار
من أجلِ مانفستو ثقافي عربي
من أجلِ مانفستو ثقافي عربي
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

د. رحيم هادي الشمخي

أكاديمي وكاتب عراقي

 

إن محنة المثقفين العرب لا تضاهيها إلا محنة ، الدولة الحديثة التي اخترعوا فكرتها بالتعاون مع الخارج ثم ما لبثوا أن يأتوا أسرى لها دون مقاومة من هنا ولدت هيمنة السياسة على الثقافة في الوطن العربي. بعد أن كانت الثقافة هي المدونة الأساسية لما سمي الأمة العربية... فهذه الأمة كانت ولا تزال توجد في السياق الثقافي بينما هي تتشظى وتتفكك في السياق السياسي. فكيف يمكن إعادة ترتيب تلك الأولويات بحيث تعود للثقافة قدسيتها وهيمنتها وأسبقيتها؟

ما من أمة انحنت فيها الثقافة أمام السياسة مثل الأمة العربية بيد أن تاريخها المنجز لم يكن إلا منجزاً ثقافياً.. ولاشك إذا ما كف المثقف العربي على الاعتقاد بأنه هو الدولة بإمكانه آنذاك أن يصبح فعلاً مثقف الأمة العضوي الذي يجسد الطموح والهوية والإبداع والمصارحة والحقيقة.

لنعترف كمثقفين أن كنا كذلك! أن أغلبنا اندمج في دواليب الدولة / الحاضنة! وإن البعض قد استولى عليه الرعب لفرط هشاشته. وأن البعض الآخر قد استسلم لإغراءات السياسة! وأن القليل فقط ما زال يتوق إلى المهمات الصعبة! لنعترف أن الاتهامات المتبادلة قد حلت محل المهمات وأن التخلي عن الخيرات الكبرى والمبدئية قد أصبح شطارة. لنعترف كذلك بأننا لم نمارس تهميش الثقافة كمكون أساسي لأية هوية بل قمنا بتهميش أنفسنا كمنتجين. وحاملين وحاضنين للمتغيرات والمعاني والمفاهيم والقيم..

ولكن الاعتراف وحده لا يكفي إذا لم تعقبه هزة أو انتفاضة روحية على رأي فاكلاف هيغيل كما حصل لدى مثقفين آخرين في أمم أخرى.. فمنذ عدة سنوات صدر مانفستو الـ 101 مثقف في طوكيو ثم أعقبه مانفستو الرعب، في باريس بعد ذلك صدر مانفستو الحقيقة في برلين ولكن لا شيء قد صدر عن المثقفين العرب بالرغم من حالة اليأس والشؤم التي باتت عليها أمتهم... فبينما ألغت الدولة العربية الحديثة حيز ذلك المثقف، فإن المثقف العربي نفسه الذي هيأ الطريق لسيادة أو لهيمنة السياسة قد قام بإلغاء نفسه كقيمة للنقض والنقد والتأمل..

يمكن هنا أن يقال أن الآخر ما زال ينتج المختلف ولكن ذلك المختلف يبدو أنه لا يعجب المثقف المتآلف.. فما صاغه بيان الرعب، في باريس الذي جمع توقيعات 200 فنان ومثقف من 16 بلداً رآه المثقفون الروس تعاليا عن الحقيقة ثم نعته المثقفون العرب ببيان الهيمنة.. ولكن حين نتصفح قائمة الأسماء نجد أن الأغلبية التي وضعت أسماءها على بيان الرعب أو بيان برلين وقبله بيان طوكيو تنتمي إلى أوساط اليسار الجديد والفلاسفة الجدد والمؤرخين التحريفيين الجدد..

من المهم أن يكون المثقف إنساناً أولاً وهذا ما نادى به بيان الرعب الأوروبي، في عام 2000 وعلى تلك الخلفية الفلسفية يصبح من المستحيل أن يكون الإنسان إلهاً. لذلك فإن محاولات التشكيك التي فاقت حملات التشكيك التي واجهت مانفستو كارل ماركس قبل نحو 155 عاماً. قد حملت الاعتراف (من قبل بعض المثقفين) بالاستقالة والاستكانة.

إن المثقفين الروس الذين كانوا مضرب أمثال في التصدي إلى الطغيان في بداية هذا القرن قد أصبحوا في غالبيتهم مضرب أمثال في القبول بالطغيان.. وهذا هو الشيء الموجع للمثقف الأوروبي عامة.. بل هو الشيء الغامض لديهم.. فقد يرتكب البعض بعض الحماقات / وينطبق ذلك حتى على بوشكين العظيم/ ولكن أن ينضم الجميع إلى حلقات الرقص على جثث الشيشان المسلمين وجثث الأقليات القومية. وهم يشربون الفودكا على صفير نشيد الدولة الخافت. فإن ذلك ما يدعو فعلاً إلى التساؤل حول درجة العافية التي يتمتع بها جسد النخبة الروسية.

ويمكن أن يطرح السؤال نفسه على النخبة العربية الذابلة والمندمجة في فضاءات الدولة المنكسرة والمتحالفة مع الفشل الذريع والأخطاء الفظيعة.. فالذين ارتدوا البدلات الواقية لرياح التغيير والإصلاح أو الذين هاجروا إلى الماضي أو الخارج إنما هم أصبحوا من كلاسيكيات القاموس السياسي المبتذل والغارق في النفاق.. إننا نعرف أن صراعات رجال السياسة ليست أكثر من فرجة. فهم يدلون بالتصريحات المتباينة والمتناقضة في كل حين ثم هم يتبادلون الود والترحاب على قبور شهدائهم.

كما أننا نعرف جيداً كم من المشاريع الجيدة قد أفسدتها الانتلجنسيا، لعدم تجاوزها للسياسي الراهن.. أو لخوفها من المستقبل..

وكل تلك الحالات هي سمات للحرب الباردة  والحاقدة. الحرب الدفينة في وعي المثقف التي يخوضها عبر قوالب جامدة. وهذا هو ما يمكن أن يسمى الوعي الجامد أو الوعي السائد..

إن طريق نجاح المثقف العربي الحديث يكاد يكون اليوم هو طريق الألاعيب والصور والخيالات وحتى الهذيان.. إنه يكاد يكن من عائلة العرائس المتحركة الخالية من السحر. وكذلك من الحكمة والحياة فالمثقف اليساري تيبس على عتبات الفقر والبطالة واللغة المراوغة واليميني يحاول أن يصلح من هيئته لكنه يعاني من فقر دم تاريخي.. وعلى جنبات هؤلاء وأولئك يتبادل أعداء التسامح والفضيلة والحقيقة والانفتاح والثقافة تهما خالية من الذكاء.

وما يحدث الآن بين مثقفي وسياسيي (العرب) هو فصل ممسرح من كتاب "اللعنة المزدوجة" للسلطة.. فالمثقفون كثيراً ما غالطوا السياسيين لأن الموهبة لا تضمن أبداً صحة الأفكار... والسياسيون كثيراً ما خدعوا المثقفين لأنهم لا يحبون الحقيقة فأين ذهب خيال العرب التاريخي؟ ومتى يستيقظ الحس السليم لدى المثقفين العرب؟... ومتى يخرج المثقف العربي عن صمته؟

المشـاهدات 70   تاريخ الإضافـة 08/03/2026   رقم المحتوى 70754
أضف تقييـم