| النـص :
في الوقت الذي تنشغل فيه الشاشات العربية بموجات الدراما التقليدية اختارت قناة "الشرقية" أن تضع يدها على الجرح العراقي النازف عبر برنامج "أبجد هلوس" الذي لم يعد مجرد مساحة للترفيه الرمضاني العابر انما تحول إلى "مانشيت" صحفي ساخر يقرأ ما بين سطور الأزمات الاجتماعية والسياسية بجرأة لافتة إن هذا العمل في جوهره يمثل حالة من "المقاومة بالضحك" حيث يتم استنطاق الوجع اليومي للمواطن وتحويله إلى مادة نقدية تتجاوز السطح لتغوص في عمق الإشكالات البنيوية التي تعاني منها مؤسسات الدولة ولعل أبرز ما نجح فيه البرنامج هو تقديم "الكوميديا السوداء" كمرآة عاكسة للاختناقات التي تخنق العاصمة بغداد فزحام الشوارع في "أبجد هلوس" ليس مجرد عائق مروري بل هو رمز لعجز التخطيط واستنزاف عمر الإنسان في طوابير الانتظار التي تعكس حالة من الشلل في التفكير الاستراتيجي لإدارة المدن..ولا يتوقف النقد عند حدود الشارع بل يمتد بذكاء ليصل إلى أروقة الدوائر الحكومية حيث يسلط البرنامج ضوءاً كاشفاً ظاهرة "تدوير المناصب" التي أصبحت معضلة إدارية تعيق بناء الدولة فمن خلال قوالب فكاهية مبطنة يمرر البرنامج رسائل قاسية حول إقصاء الكفاءات الحقيقية وعزل "التكنوقراط" لصالح شخصيات تفتقر إلى الحد الأدنى من الدراية الإدارية ليتحول تدوير الفشل من منصب إلى آخر إلى قاعدة تحكم الواقع المؤسساتي مما يؤدي بالضرورة إلى تغليب الولاءات الضيقة على حساب مصلحة الوطن هذا المشهد الدرامي الساخر يفضح كيف تتحول الوظيفة العامة إلى أداة لترضية الأطراف بدلاً من أن تكون وسيلة لخدمة المواطن وهو ما يفسر حالة الترهل التي تضرب مفاصل العديد من الدوائر الخدمية..وفي زاوية أخرى لا تقل خطورة يقتحم "أبجد هلوس" ملف استغلال ممتلكات الدولة مصوراً كيف يتم تحويل الأصول العامة إلى استثمارات خاصة تخدم جيوباً محددة تحت مسميات "الإعمار" أو "الاستثمار" الوهمي إن البرنامج هنا يمارس دوراً رقابياً شعبياً إذ يكشف بأسلوبه "السريالي" كيف تتبخر مقدرات الدولة لتتحول إلى حسابات شخصية وكيف يُحرم المواطن من أبسط حقوقه في المشاع العام لصالح "إقطاعيات" جديدة تتغذى على غياب الرقابة ..الحقيقية إن القيمة الحقيقية لبرنامج "أبجد هلوس" تكمن في قدرته على تحويل "الهلوسة" إلى لغة منطقية قادرة على تشخيص العلة مؤكداً أن الضحك قد يكون أحياناً أقوى من ألف خطبة سياسية وأنه السبيل الأقرب لإيصال صوت المهمشين إلى أسماع من اعتادوا إغلاق نوافذ مكاتبهم أمام ضجيج الواقع.
|