| النـص :
يوم الغدير مناسبة دينية يهتم بها الشيعة، وهي ذات وجه عقائدي ووجه سياسي نستفيد منه في التذكير بالمواصفات المطلوبة في الحاكم الناجح. فمن الجانب العقائدي نلاحظ ان الإسلام دين مصمم لادارة حياة الانسان والارتقاء بها مادياً وانسانياً، لذا هو يحتوي على نظام عبادي واجتماعي واقتصادي وسياسي، وليست حركة سياسية بحتة يمكن لكل احد ان يترشح ويكون قائداً لها. ونظام الحكم في الإسلام هو احد جوانب هذا الدين ولذلك كان يجب تحديد مساره بدقة. فاذا جاز لنا ان نطرح ونقبل الفرضية التالية وهي: ان بعض اختيارات النبي (ص) التي تقع ضمن مسؤوليته في تصريف الشؤون اليومية للمسلمين تمثل وجهة نظره الشخصية وليست وحياً الهياً. واذا كان ذلك كذلك فأن اختيار النبي (ص) لبعض الشخصيات للقيام بمهام محددة بنفسه من دون العودة الى الاختيار الإلهي من المحتمل ان ينتج عنه أخطاء في التنفيذ ناجم عن تصرفات الشخص الذي تم اختياره. واختيار رسول الله (ص) لهؤلاء الأشخاص لا يستخدم فيها علمه ولذلك لن تقلل من مكانة او تطعن في عصمة رسول الله (ص) كونه ليس امراً تبليغياً ولأنه يستطيع التراجع عنه او تصحيح اثار أخطاء هؤلاء الأشخاص ان حدثت. ومثل ذلك ما تسبب فيه اختيار رسول الله (ص) لاحد الصحابة من قيام هذا الصحابي من دون علم رسول الله او الرجوع له بقتل عدد من المسلمين، ثم صحح رسول الله (ص) الخطأ وأعطى الدية لاهل المقتولين، ولم يستخدم رسول الله هنا علمه في عدم اختيار هذا الصحابي؛ لأن الحدث لم يقع بعد وسيعترض عليه الناس اذا استبعده من المهمة وتتعقد أمور الحياة التي بنيت على أساس الاختبار والابتلاء، ولذلك ترك الأمور تجري كما هي. ونظير ذلك اختياره لصحابي اخر في تبليغ سورة براءة ثم اخذها منه بأمر من الله تعالى واختياره وسلمها علياً عليه السلام ليبلغها بدلاً منه. ومثله اختيار موسى ع بنفسه من قومه 70 رجلاً لسماع كلام الله تعالى لكنهم احرجوا موسى (ع) عندما تجرؤا بطلب رؤية الله تعالى جهرة ثم صعقوا وماتوا ثم صحح موسى (ع) الوضع واعادهم للحياة لابعاد تهمة قتلهم عنه. وبناء على ما تقدم، اذا كان اختيار الامام علي (ع) في يوم الغدير هو اختيار من رسول الله (ص) ليتولى الحكم من بعده فمن المحتمل ان يكون أيضا أخطأ في هذا الاختيار، ولكنه في هذه الحالة سلط على المسلمين رجل غير مؤهل وسيكون صلوات الله عليه غير موجود في الحياة لتصحيح اخطاءه كما فعل مع ذلك الصحابي، فلا يمكن ان يتحمل رسول الله (ص) هذا الاستخلاف ولا يتركه للناس -حيث لا يوجد ما يمنع تنازعهم والتقاتل بينهم من اجل الحصول على المنصب- الامر الذي قد يكون سبباً في تدمير امته وانحراف دينه لذلك لا يمكن ان يكون اختيار الامام علي (ع) الا من قبل الله تعالى حتى نضمن بقاء الدين وتماسك الامة. وهنا نأتي لدحض مقولة يرددها البعض من دون تمعن وهي ان علياً (ع) فشل في الحكم كونهم استندوا الى المعيار الخطأ لتحديد الفشل والنجاح.والمعيار الخطأ هو ان تقيم الحاكم من خلال الإنجاز المادي فقط من دون ان النظر الى المعيار الاهم والمهيمن على هذا الإنجاز وهو معيار الاستقامة الذي على اساسه يُقيّم الحاكم هل هو فشل ام نجح حقاً. فالحاكم الناجح هو الشخص الذي لم ينحرف عن جادة الاستقامة والنهج المستقيم الديني والإنساني، فسيرته في الحياة والحكم تبقى مقيدة بأحكام الدين وتطبيق تشريعاته على الجميع مع المحافظة على الدماء والأموال. وأي حاكم انحرف عن هذا الخط المستقيم فيقتل ويسلب الأموال من اجل الحفاظ على سلطته وتوسيع نفوذه فهو حاكم فاشل. والوحيد من الحكام الذي سار على النهج في تاريخ البشرية وليس ما بعد الإسلام فقط هو الامام علي (عليه السلام)، اليس هو القائل مخاطباً الناس (اني اعلم ما يصلحكم - يقصد اغداق المال وحد السيف- لكني لا اصلحكم بفساد نفسي). اما غيره الذي يصفونهم انهم حكام ناجحين ورجال دولة هم الفاشلون فعلاً حيث ساءت أحوال الناس في زمانهم، فلا يكاد يأمن الانسان في فترة حكمهم على نفسه وعرضه وماله، وأي فشل في الحكم اكبر من هذ؟! اما كون ال بيت النبي لا حظ لهم في الملك فهو استنتاج خطأ ردده الاحنف بن قيس والمنصور واخرين في زماننا هذا، لأنهم يريدون من الحاكم العادل ان يصف عدلاً ويطبق غيره وينحرف باتجاه اهل النفوذ والقوة والفاسدين وهم الأقلية ويترك الضعفاء والفقراء وعامة الناس وهم الأكثرية. لقد حارب من حارب علياً عليه السلام وحكمه من كان يريد ان يبقى نفوذه بخلاف سيرة رسول الله بالتسوية بالعطاء وبتقديم الانسان الصالح الكفوء المخلص على الاخر المنافق المتزلف الخائن المخلص للحاكم وليس لله وللشعب. وهذا منطق ظل العراقيون يدفعون ثمنه الى وقت قريب وسيدفعون اكثر اذا استمر نهج الاستخفاف بإرادة الشعب والابتعاد عن نهج الاستقامة واتباع الهوى في التكتل والمواقف والخضوع للاقوياء والاستقواء على الضعفاء وهو عكس منهج رسول الله (صلوات الله عليه) وعلي (ع) الذي اتبعه ولم يحد عنه قيد شعرة. وما قيمة الإنجاز المادي يا ترى وهو مشيد على الجماجم وهو محاط ببرك الدم وتصفر في جوانبه اهات المعذبين والمحرومين. ان كل حاكم لم يحقق معيار الاستقامة فهو فاشل مهما بلغ اوج إنجازه المادي، وبناء عليه فالامام علي (عليه السلام) هو الحاكم الوحيد الناجح لحد الان، وغيره هم الفاشلون. واخيراً، كلما تمر مناسبة عيد الغدير تتجدد فرصة نستذكر فيها عدل علي عليه السلام وظلم غيره ومدى استئثارهم بالمال الذي تفضحه مقتنياتهم التريليونية، وهم مع جرأتهم على أموال الناس غير ابهين بغضب الشعب وحساب الله تعالى لهم. لكن لكل نفق مظلم نهاية، ولن يلدغ المؤمن جحر مرتين.
|