| النـص :
قسم التاريخ كلية التربية للعلوم الإنسانية جامعة سامراء
يُنظر إلى الطالب الجامعي غالبًا بوصفه مشروع نجاح قادم، شابًا أو شابة يحملان طموحات كبيرة ويسيران بخطوات ثابتة نحو المستقبل. لكن ما لا يظهر في المشهد أن بعض هؤلاء الطلبة لا يخوضون معركة الدراسة وحدها، بل يخوضون في الوقت نفسه معارك أخرى أكثر قسوة؛ معارك الفقد والوحدة والضغوط النفسية والمسؤوليات التي تفرضها الحياة دون استئذان.داخل القاعات الدراسية يجلس عشرات الطلبة متشابهين في المظهر، مختلفين تمامًا في القصص التي يحملونها. بعضهم جاء إلى الجامعة محمولًا على أحلام عائلته، وبعضهم جاء إليها بعدما فقد أحد والديه أو كليهما، وآخرون يواجهون ظروفًا اقتصادية أو اجتماعية تجعل الاستمرار في الدراسة تحديًا يوميًا لا يدركه كثيرون.الفقد تحديدًا يمثل أحد أكثر الاختبارات صعوبة في حياة الطالب الجامعي. فحين يرحل الأب أو الأم، لا يفقد الإنسان شخصًا عزيزًا فحسب، بل يفقد جزءًا من شعوره بالأمان والاستقرار. وتزداد وطأة هذا الشعور عندما يحدث ذلك في مرحلة عمرية تتطلب تركيزًا أكاديميًا واستعدادًا نفسيًا لبناء المستقبل.ورغم أن المؤسسات التعليمية تهتم عادة بالمستوى العلمي للطلبة، فإن الجانب النفسي يبقى في كثير من الأحيان أقل حضورًا من حجم التحديات التي يواجهها الشباب. فهناك من يدخل قاعة الامتحان وهو يحمل حزنًا أثقل من الأسئلة، ومن يحاول إنجاز واجباته الدراسية بينما يعيش فراغًا عاطفيًا أو مسؤوليات أسرية تفوق طاقته.المفارقة أن المجتمع لا يلتفت غالبًا إلى هذه المعارك الخفية. فالطالب الذي يواصل حضوره ويؤدي واجباته يبدو في نظر الآخرين قادرًا على التحمل، بينما قد يكون في الحقيقة يستنزف آخر ما يملك من قوة كي لا يتوقف. وهنا تكمن إحدى الإشكاليات الاجتماعية؛ إذ يجري الخلط بين الصمت والتعافي، وبين التماسك الظاهري والقدرة الحقيقية على الاحتمال.إن كثيرًا من قصص النجاح الجامعي ليست حكايات تفوق أكاديمي فحسب، بل حكايات مقاومة يومية للانكسار. فهناك من يحقق النجاح رغم اليتم، وآخر رغم الفقد، وثالث رغم الضغوط النفسية والاقتصادية.وما يبدو رقمًا في كشف الدرجات قد يكون في حقيقته ثمرة معركة طويلة لم يشهدها أحد.لهذا فإن الحديث عن البيئة الجامعية لا ينبغي أن يقتصر على المناهج والامتحانات والدرجات، بل يجب أن يمتد إلى الصحة النفسية والدعم الإنساني وخلق مساحة أكثر تفهمًا للظروف التي يعيشها الطلبة. فالتعليم ليس عملية معرفية فقط، بل تجربة إنسانية متكاملة تتأثر بكل ما يحيط بالطالب من أحداث وتحديات.وربما آن الأوان لإعادة تعريف النجاح الجامعي. فليس النجاح دائمًا أن تكون الأول على دفعتك، بل قد يكون أحيانًا أن تواصل السير رغم الخسارات، وأن تحافظ على حلمك رغم الألم، وأن تصل إلى نهاية الطريق بينما كنت تقاوم بصمت كل يوم.فهناك طلبة لا يملكون رفاهية التوقف، ومع ذلك يواصلون المسير. وهؤلاء يستحقون أن تُروى قصصهم بوصفها نماذج للصمود الإنساني قبل أن تكون قصصًا للتفوق الأكاديمي.
|