الأحد 2026/6/7 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 31.71 مئويـة
نيوز بار
حسن الأبتداء في البلاغة العربية
حسن الأبتداء في البلاغة العربية
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب نغم مازن خضير
النـص :

 

 

إن أول ما يقع في السمع من الكلام، وآخر ما يعلق في الذهن من البيان، هو ذلك المطلع الذي يهجم على النفس هجوم النور في الغسق، فيأخذ بمجامع القلب قبل أن يستوفي القول غايته أو يبلغ المعنى مداه، ومن أجل ذلك كانت عناية البلغاء بمبدأ الكلام عناية من يدرك أن الكلمة الأولى هي المفتاح الذي إن أحسنت صنعته فتحت مغاليق القلوب، وإن أخطأت موضعها أغلقت دون القائل أبواب الإصغاء. وقد تنبه علماء البيان العربي إلى هذه الحقيقة منذ أن استقرت لهم أصول الصناعة وتبينت لهم مدارج الفصاحة، فكان أن أفردوا لهذا الموضع من الكلام باباً سموه تارة حُسن الابتداء، وأخرى براعة المطلع، وثالثة براعة الاستهلال، وإن تكن هذه الأسماء شتى فإنها تجتمع كلها عند معنى واحد هو أن يكون أول الكلام عذب اللفظ رصين السبك واضح المعنى مستقل بنفسه غير مفتقر إلى ما بعده في تمام الدلالة وحسن الوقوف، وأن يكون في الوقت ذاته مشيراً إشارة لطيفة خفية إلى ما تنطوي عليه جنبات القول من مقاصد وما تفيض به جوانح المتكلم من مرام.لقد نظر البلغاء إلى فواتح الكلام نظرتهم إلى الوجه من الإنسان فإن أشرق بالمحاسن أقبلت عليه النفوس واطمأنت إليه الخواطر، وإن عبس بالغموض والتعقيد نفرت منه الأرواح وانصرفت عنه القلوب قبل أن تتبين ما وراءه من المعاني الجليلة والحكم البالغة، وهذه النظرة هي التي أملت عليهم أن يشترطوا لحسن الابتداء شروطاً هي في الحقيقة أركان لا يقوم البناء إلا بها ولا يثبت المعنى إلا عليها، فأول هذه الشروط وأولاها بالاعتبار أن يكون الابتداء ملائماً لموضوع القول ومقام الحال، فالغزل يستدعي من المطلع رقة ودماثة، والحماسة تستوجب جزالة وقوة، والرثاء يقتضي حزناً مبطناً ولوعة مكتومة، وليس هذا التلاؤم ضرباً من التكلف ولا لوناً من التصنع وإنما هو استجابة لدواعي الطبع السليم وموافقة لمقتضيات الذوق القويم. وثاني هذه الشروط أن يكون الابتداء مستقلاً عما بعده بحيث لو أن المتكلم وقف عنده لكان في ذاته كلاماً تاماً حسن المقطع لا يشعر السامع بنقص أو قلق في انتظار ما يتممه، وقد عد النقاد هذا الاستقلال من علامات البراعة ودلائل التمكن في الصنعة حتى قالوا في غرائب النقد أن من شروط حسن الابتداء ألا يكون المطلع متعلقاً بما يليه من الأبيات تعلقاً يفسد معناه إذا انفصل عنه أو يوهن سبكه إذا وقف القارئ عنده. وثالثها أن يتخير القائل لمطلعه من الألفاظ أعذبها ومن الأساليب أسهلها ومن المعاني أوضحها، فإن أول الكلام هو الذي يقرر للسامع موقفه من القائل فإن وجده سهلاً رفيقاً أنس به وسكن إليه، وإن لقيه وعراً متكلفاً غريباً جافاه ونبا طبعه عنه، وليس المراد بالسهولة هنا الابتذال الذي يهبط بالكلام عن طبقة البلاغة، وإنما المراد بها ذلك السهل الممتنع الذي يجيء كما تجيء ضرورات الحياة وكما ينساب الماء في جداوله لا يعلن عن نفسه بتكلف ولا يصدم السمع بما ينفر منه.وإذا كان حسن الابتداء هو الأصل الذي تنبني عليه بداية الكلام في كل مقام ولكل غرض، فإن البلاغيين قد فرعوا عنه معنى أخص وأدق منه سموه براعة الاستهلال، والفرق بينهما أن حسن الابتداء يطلب من المتكلم أن يحسن مفتتح قوله من حيث اللفظ والسبك والمعنى والاستقلال والملاءمة، وأما براعة الاستهلال فتطلب فوق ذلك كله أن يشير المتكلم في مطلعه إشارة لطيفة خفية إلى المقصود من قوله أو إلى معظم مراده من خطابه، فيجيء المطلع كأنه عنوان دقيق للمعنى الذي تنطوي عليه سطور القصيدة أو فصول الرسالة، وكأنما أراد الشاعر أو الناثر أن يقول للسامع في جملته الأولى ما لا يصرح به فيطول شرحه، فجعل من مطلع الكلام مرآة صافية تنعكس عليها صورة المعنى المقصود قبل أن يفضي القائل إلى تفصيله. ومن شواهد ذلك ما جاء عن أبي الطيب المتنبي حين هنأ سيف الدولة بزوال مرض ألم به فقال في مطلع قصيدته "المجد عوفي إذ عوفيت والكرم وزال عنك إلى أعدائك الألم"، ففي هذا المطلع براعة استهلال واضحة إذ جعل الشاعر عافية الممدوح عافية للمجد والكرم نفسيهما، فأشار إشارة بارعة إلى سمو منزلة الممدوح وأنه بحيث يكون شفاؤه شفاء للفضائل والمحامد، وهذا ضرب رفيع من الإيماء لا يتأتى إلا لمن رسخت قدمه في البلاغة وملك زمام القول.ولم يكن حسن الابتداء مطلوباً في الشعر وحده، بل تعداه إلى النثر الفني في خطبه ورسائله، وكان للكتاب والبلغاء في ذلك مذاهب شتى وطرائق قددا، يفتتحون بها رسائلهم في التهنئة والعزاء والاعتذار والشكر وغيرها من فنون النثر، فيجيء أول الرسالة مشعراً بمضمونها منبئاً عن غرضها في لفظ أنيق وسبك رشيق. وإذا تأملت روائع التراث العربي وجدت أن المقدمات التي حفلت بها الكتب والمصنفات لم تكن إلا ضرباً من حسن الابتداء، ولكن على مستوى أوسع وأشمل، فهي توشية لفظية ومعنوية تستهوي القارئ وتهيئ نفسه للدخول إلى عالم المؤلف. وقد تنبه الأوائل إلى قيمة هذا الفن حتى قال الجاحظ في معرض حديثه عن صفات الكتاب "ينبغي للكاتب أن يبدأ كلامه بأحسنه ليكون ذلك داعية إلى قبول ما بعده". وهكذا تراهم قد جعلوا حسن الابتداء مفتاح القبول وشرط النجاح في مخاطبة النفوس واستمالة القلوب.وقد حفل الشعر العربي الجاهلي والإسلامي والأموي والعباسي بنماذج باهرة من حسن الابتداء وبراعة المطلع بقيت خالدة في ذاكرة الأمة تتناقلها الألسن وترويها الأجيال، فمن ذلك مطلع امرئ القيس في معلقته "قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل" الذي جمع في بيت واحد بين الأمر والنهي، وبين الزمان والمكان، وبين الحب والذكرى، في ألفاظ كأنها صيغت من دموع الشوق وأصداء الفقد، حتى إنك لتشعر وأنت تسمع هذا المطلع أنك على عتبة عالم كامل من الشعر سوف تنفتح لك أبوابه بعد حين. ومن ذلك أيضاً مطلع زهير بن أبي سلمى "أمن أم أوفى دمنة لم تكلم بحومانة الدراج فالمتثلم" الذي جعله الرماني مثالاً لحسن الابتداء، وفيه من رقة الاستفهام وحنين التذكر ما يستدر الدمع ويحرك الشجن. وكذلك مطلع النابغة الذبياني "يا دار مية بالعلياء فالسند أقوت وطال عليها سالف الأبد" الذي استهل فيه بالنداء على طريقة العرب في الوقوف على الأطلال، فأيقظ في النفس شعوراً بالأسى على ما مضى وانقضى. وكل هذه المطالع إنما كان حسنها من جهة أنها بدأت الكلام بألفاظ عذبة ومعان واضحة مستقلة، ثم أومأت إلى بقية القصيدة إيماء لطيفاً، فكانت كالوجه الصبيح الذي يدل على جمال ما وراءه ويشير إلى فضل ما يتلوه.ولقد ظل حسن الابتداء على تعاقب العصور والأجيال مطلباً أساسياً من مطالب البلاغة العربية وعلامة فارقة من علامات الإبداع الفني، لأن الكلام كما قال الحكماء كالطعام، إنما يحكم عليه بأول مذاقه، فإن كان حلواً عذباً أقبل عليه الذائق ولذ به وازداد منه، وإن كان مراً بشعاً لفظه من أول لقمة وزهد فيما بعده. ومن هنا كانت عناية البلغاء بهذا الفن عناية من يعلم أن نجاح القول كله رهن بنجاح مطلعه، وأن نفوس السامعين إنما تفتح أبوابها للمتكلم في أول لقاء بينهما، فإن أحسن الافتتاح دخل من أبوابها الواسعة ونزل من قلوبها منازل القبول، وإن أساء الابتداء أوقف نفسه على أعتاب الصدود وأغلق دون كلامه أبواب القلوب فلا ينفذ إليها ولا يجد إليها سبيلاً. وهكذا يظل حسن الابتداء جوهرة ثمينة في تاج البلاغة العربية، تتوارث الأجيال أسرارها وتحتذي حذوها وتضرب في ميدانها بسهم، إيماناً بأن الكلام كله تبع لأوله، وأن المطلع هو عنوان القول ومرآة المعنى وباب الوصول إلى قلب السامع وعقله.لقمة وزهد فيما بعده. ومن هنا كانت عناية البلغاء بهذا الفن عناية من يعلم أن نجاح القول كله رهن بنجاح مطلعه، وأن نفوس السامعين إنما تفتح أبوابها للمتكلم في أول لقاء بينهما، فإن أحسن الافتتاح دخل من أبوابها الواسعة ونزل من قلوبها منازل القبول، وإن أساء الابتداء أوقف نفسه على أعتاب الصدود وأغلق دون كلامه أبواب القلوب فلا ينفذ إليها ولا يجد إليها سبيلاً. وهكذا يظل حسن الابتداء جوهرة ثمينة في تاج البلاغة العربية، تتوارث الأجيال أسرارها وتحتذي حذوها وتضرب في ميدانها بسهم، إيماناً بأن الكلام كله تبع لأوله، وأن المطلع هو عنوان القول ومرآة المعنى وباب الوصول إلى قلب السامع وعقله.

 

المشـاهدات 16   تاريخ الإضافـة 07/06/2026   رقم المحتوى 71197
أضف تقييـم