الجمعة 2026/6/19 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 44.07 مئويـة
نيوز بار
سردية اللاتجنيس واجراءات الناقد سمير الخليل
سردية اللاتجنيس واجراءات الناقد سمير الخليل
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

علي حسن الفواز

 

 

يكتب سمير الخليل بحساسية المغامر، وبشغف الباحث عن المختلف، حيث تتحول كتابته النقدية الى خيار مفتوح، على المعرفة والمشاكسة والبحث عن الجدّة، وعلى الجدّة في وظائفية جهازه النقدي في سياق تمثيل ما هو مغاير من تحولات ثقافية في مشهدنا الأدبي.

الأدب بمفهومه الثقافي يتبدى عند الخليل من خلال اجراءات وممارسات، تنطوي على كثير من اليات وفاعليات المساءلة النقدية من جانب، وعلى توصيف فاعليات القراءة للمختلف من السرديات، حيث يتأسس مشروعها عبر تقانات جديدة، وعبر جهاز مفاهيمي يخص موضوعات السرد، في انساقها البنيوية، وفي علاقة بمفهوم "الجنس السردي" ومدى تمثيلها في الدراسات السردية، وحتى في الدراسات الثقافية، فالسرد في هذا السياق هو توصيف ثقافي أكثر مما هو أدبي بالمعنى المحدود، يتجاوز فيه الناقد ما هو نمطي الى مجال يخص فاعلية التمثيل في الانساق وفي الوظائف، وفي تحيزات الهوية والمكان والجنس، وهي قضايا تدخل في  مشروع الخليل النقدي، عبر التنافذ النظري والانثربولوجي والثقافي، وعبر تطبيقاتها في مقاربة "اللاتجنيس" في عدد من السرديات المعاصرة.

كتابه الجديد "الميتا تجنيس- الكتابات غير المُجنّسة- تنظيرات واجراءات" الصادر عن دار الشؤون الثقافية العامة  2025 يحمل كثيرا من هواجسه في المغايرة النقدية، على مستوى اختيار الموضوعات وعلاقتها بالنظرية الادبية، أو على مستوى شرعية وجود هذه الكتابات في التداولية النقدية، فموضوعات التجنيس من اكثر الموضوعات التباسا وغموضا، فضلا عن طبيعتها التاريخية واحكامها، وهو ما يجعل خرقها اجراءً يحتاج الى تقعيد نظري/ منهجي اولا، والى شجاعة نقدية ثانيا، والى رؤية نقدية واعية تسوّغ هذا اللاتجنيس بوصفه تقويضا للمألوف، واليقيني والتاريخي ثالثا، واستدعاء مواز لأطروحات امبرتو ايكو حول "النص المفتوح" ومدى تمثيله النقدي والنظري رابعا..

ضم الكتاب موضوعات كثيرة بدءا من "الريادة العفوية" كما سماها، في قراءاته لكتابات جبران خليل جبران ومصطفى صادق الرافعي ومي زيادة، حيث اخضع هذه الكتابات الى توصيف نقدي، جاعلا من نثريتها مدخلا للحديث عن "اللاجنس" الأدبي، فالنصوص التي اختارها تجمع بين تقانات اسلوبية متعددة، تعنى بالنفسي والاجتماعي والواقعي والرمزي، مثلما تعنى بالتصويري والحسي وبالافكار الفلسفية والصوفية، وهو ما لا يتفق على تحديده كثير من "النقاد" الذين نظروا الى تجربة الريادة عند جبران بأنها مزيج من اللغة الطقوسية والانجيلية وبين الشعرية الغنائية، تلك التي تضع قارءها امام نصوص مفتوحة، لا يمكن تأطيرها بهوية اجناسية محددة، ففيها من النثر ما يتوهج بالشعر، وفيها من الرؤى ما ينكشف على ما هو سري ووجودي في الطبيعة، وفي النفس البشرية، وفي الفلسفة من احالات وايحاءات، جعلت كاتبا مثل جبران حليل جبران مسكونا ب" رؤية شعرية تمزج الاضداد وتقدم تدفقا جماليا، والكشف عن جماليات ليس من السهل البوح والكشف عنها، إذ يمزج بين النص بين فلسفة الجدل وبين الاشياء والموجودات والحالات" ص62

مثلما جعلت من كاتب آخر مثل مصطفى الرافعي يؤسس " وجهة نظر خارج السرد بكل ابعاده القصصية والروائية" ص 91 ومن كتابات مي زيادة ذات محمولات هي الأقرب الى الذات التي تتوق الى الحب والحرية، دون أن تخضع الى مقايسة محددة، سوى أن كتاباتها تميل الى خصائص اسلوبية " في الكتابة المفتوحة والحرة، ارتكازها على النسق الشاعري، لا سيما وأنها قد عاصرت مرحلة صعود الرومانسية وتجلياتها" ص 127

سرديات اللاتجنيس..

اختيار النماذج السردية من كتابات محمد خضير وخضير فليح الزيدي وحميد الزاملي وماجد الحسن وغيرهم تكشف عن طبيعة المشغل "المنهجي" للناقد، وعلى وفق وضع اجراءته، في توصيف هذه السرديات بأنها "خارج التجنيس" وأنها تخضع الى توصيف وتأطير بقترب من المختلف، حيث يكون المجال السردي قابلا للسيولة، وعلى نحوٍ بُعطي لهذه السرديات هويات هجينة، تدخل كتاباتها في سياق التجريب من جانب، أو في سياق ما يمكن تسميته بسردية "النص الشخصي" بقصديته الرمزية، أو بفاعليته في كسر السائد من جانب آخر..

كتابات محمد خضير من أكثر السرديات اثارة للمساءلة، والمراجعة المنهجية التي تخص اشكالية اللاتجنيس، بوصف اجراءاته في السرد تنطلق من ستراتجيات متمردة في تجاوزها، وفي نظرتها لمفهوم الجنس السردي، فهي تخص" اسلوبية ادائية متجاوزة للنسق الاجناسي بحثا عن رؤى وتشكيل نوعي يتقاطع مع النمط الكمي السائد" ص 157-158

وفي سرديات خضير فليح الزيدي تبدو لعبة الكتابة مفتوحة على اجراءات اقل تعقيدا، فبقدر ما يرى الخليل أن الزيدي ينظر اليها بوصفها "كتابة مفتوحة" فإنها تنزع لأن تكون ممارسة في "السردية الذاتية" حيث مقاربة السارد للتاريخ والوثائق والاحداث والزمن السياسي والسرد اليومي، وحيث يمارس الزيدي الخرق الاجناسي من خلال خرق المألوف والتاريخي والزمني ليجعلنا ازاء سردية موازية و " معالجة اجناسية بل تعمد الركون الى نسق تعبيري مفتوح واشتغال غير مجنس للكشف عنها" ص 191

يمكن أن نعدّ كتاب الخليل اضافة نوعية للمشغل النقدي العراقي والعربي، ورهانا على تجديد فاعليات العقل النقدي وهو يستقرأ المختلف النصوصي، وبروتوكولات الكتابة التي خرجت من المألوف الحكائي الى نوع فائق من السردية، والى فضاءات المتخيل السردي، حيث يشكل الخرق الاجناسي وعيا ظاهراتيا بالسرد الذي يؤطر الكتابة عبر "النص/ الكراسة/ المكان السردي، وعبر ما تصنعه "عين السارد" من صور، تخرق التاريخ والحدث واليومي الى ما يمكن تسميته ب" العبور الاجناسي" حيث نص التدوين الشخصي، نص الذات المفكرة، الذات الرائية التي تعيد صياغة المكان والهوية والزمن عبر تشكيل سردي لا حدود له، والذي يدخل في بروتوكول الخليل النقدي حول اللاتجنيس العابر للمألوف الجنسي..

المشـاهدات 36   تاريخ الإضافـة 17/06/2026   رقم المحتوى 71439
أضف تقييـم