| النـص : لا ريب ان مقام الحسين عليه السلام لا يتأثر او ينقص بعدم تجديد ذكراه، كما لا يزداد ايضا اذا تجدد ذكراه، لكن التجديد للذكرى مهم للناس ممن وصلهم ضوءه فحلقوا روحيا وانعكس على سلوكهم بشكل تام، التجديد ضروري لضمان الاستقامة والاستدامة، او وصلهم هذا الضوء المنير الساطع لكن لم يرتقوا بعد الى درجة الانصهار والفهم لحركته عليه السلام، او للاخرين الذين لم يصلهم ضوءه بعد فيكون تجديد الذكرى فرصة نادرة ومباشرة تقفز الى ذهن ووعي الانسان خلال أيام عاشوراء من دون تشويش خارجي يهاجمه بشتى الطرق ومن كل الاتجاهات، فلا يحتاج الشخص لفهم حقيقة ما جرى في معركة كربلاء الى تصفح الكتب واستعراض الاراء المتضاربة واختيار المناسب الاقرب منها لسيرة الحسين عليه السلام وذوقه الرفيع حتى يقف على تلك الحقيقة ذات البعد الإنساني والاخلاقي. فمن فهم القيام الحسيني بكل تفاصيله لاسيما اراء الحسين عليه السلام وتفاعله مع اهل بيته وصحابته والنساء والاطفال في معسكره ومع معسكر اعداؤه سيتجدد روحيا كل عام في هذه الايام العشرة الاولى خاصة او لحد الاربعينية، وان اقتطاع 40 يوماً - من مجموع 366 يوم في السنة ينشغل فيها الشخص بالسعي للمعيشة واللهو- لا تعد ضياعاً ما دامت تسهم في الثبات على المسار واعادة تصحيح الانحراف عنه وتجاوز الأخطاء قبل ان تتراكم وتصبح طبيعة ثانية، وهو امر لاشك انه قد اصبح ضروريا في ظل المظلة الضاغطة للبيئة الاجتماعية والرقمية التي تلتقط الاساءة وتتعمد اشاعتها وتضخيمها بحيث تطغى على المشهد فيصبح الانسان مؤمنا ويمسي كافرا قد خسر كثير من فطرته وانحرف عن مسار الانسانية. فهذه الحوادث المؤلمة التي تقع يوميا وبشكل متكرر ويروج لها في الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي ليست فقط بسبب اخطاء بشرية عابرة بل اغلبها عن تصميم وتخطيط، وهو ما يدل على ان أصحابها انغمسوا في طريق الانحراف وابتعدوا عن الفطرة وركنوا الى الدنيا فتاجروا بكل شيء من اجل استمرار العيش الرغيد في الدنيا، فتركوا كل طريق وركبوا سكة الانحراف السهلة التي توصلهم الى المال والنفوذ، فيقتلوا ويتاجروا بالمخدرات ويرتشوا وينهبوا المال العام غير ابهين لا بالقانون الوضعي ولا بيوم الحساب. وهو وضع حذر منه الحسين عليه السلام مرارا في كلماته في الطريق الى كربلاء ويوم عاشوراء. فهؤلاء الذين نراهم امام اعيننا سمعوا لكن لم يتشبعوا بكلمات الحسين (ع) بل سماعهم لكلماته- ان سمعوها- بقيت لعق على السنتهم فلا تعجب ابدا مما يفعلوه. وكنا نعجب كيف تطاول وتجرّأ الاوباش وطاوعتهم انفسهم فقتلوا الحسين (ع) في يوم عاشوراء، اما بعد ما صرنا نرى ونسمع من الحوادث اللا انسانية وتجرؤ اصحابها على ارتكاب أفعال شنيعة مقززة، فلم نعد نعجب كيف ان اولئك قتلوا الحسين (ع) واعتدوا على عائلته، فهؤلاء في أيامنا الرديئة هذه مثلهم في كل شيء حتى وان كان اعتدائهم على اشخاص عاديين ليسوا بمنزلة الحسين (ع) ولكن الفعل وفضاعته هو نفسه لاسيما وهي تجري في ظل اجواء الوعي التي يخلقها تجديد ذكرى الحسين (ع) الذي اصبح حجة على الجميع. لكن هؤلاء لم يعوا ويستنكروا ما حدث من امر جلل عظيم في يوم عاشوراء وما بعده، فيقتلون العباد من دون رحمة، ويستمروا في نهب اموالهم، فما الفرق يا ترى بين هؤلاء الذي يعيشون بيننا ويدمرون حياتنا، وبين أولئك الذي صنعوا مأساة كربلاء وتجاوزوا الحد بقتل الحسين (ع) والاعتداء على عائلته؟! ومن هنا نفهم كلمة الحسين عليه السلام التي اعلنها صراحة بشكل لا يقبل للتأويل والتزييف انه خرج من اجل الإصلاح في امة جده، وكان مراده عليه السلام من الإصلاح لم يكن مقصوراً على اللحظة المحدودة لقيامه فقط في ذلك اليوم التاريخي الاستثنائي من محرم الحرام بل أراد منه ان يمتد هذا الإصلاح على طول التاريخ ويتجدد بذكراه بتعاقب الأجيال: لأنه حتى اذا تمكن الحسين عليه السلام من إزاحة يزيد من السلطة وشيد سلطة جديدة قائمة على أسس الإسلام والقرآن فأنه قد لا يتاح له استمرارها في تلك البيئة الملوثة التي طغت عليها مصالح أبناء الدنيا وبسببها وصل يزيد الى الحكم وتجرأ على التحشيد لقتل الحسين عليه السلام وسبي عياله وهم ال بيت رسول الله، ولم يحصل ذلك الا لأن معالم الدين قد طمست تماما في عهد الامويين بحيث اصبح المعروف منكرا والمنكر معروفاً كما يقول الحسين عليه السلام ، وقتلوا اهل الدين المخلصين بحيث لم يبقى منهم سوى 100 رجل او يزيدون قاتلوا في صف الحسين عليه السلام لأنهم يعرفون مكانته وقدسيته. فعلى من لم تصله العلة من تجديد ذكرى عاشوراء، فليعلم الان من ان عاشوراء مسيرة اصلاح متجددة ترافق جميع الأجيال، وهدفها ابعد من السلطة والحكم، والهدف منها تربية مجتمع يعيش في اجواء الفضيلة ويرفض الظلم والرذيلة ويأنف الخضوع للاعداء، ولا يقبل بالحاكم والحكم الظالم الفاسد ولا يدافع عنه، ويقاطع الفاسدين والمفسدين ولا يرضى بفعلهم.
|