| النـص :
في عالم الإعلام الحقيقي تبقى الكلمة الحرة هي المعيار، ويبقى الصحفي المهني وفياً للحقيقة مهما تغيرت الحكومات وتعاقب المسؤولون، لكن المؤسف أن هناك من حوّل الصحافة إلى تجارة، ومن القلم إلى وسيلة للارتزاق، فصار ولاؤه لمن يدفع أكثر لا لمن يخدم الوطن والحقيق، هؤلاء يشبهون الحية الرقطاء التي تتلون بألوان الطبيعة المحيطة بها، فتخفي حقيقتها وتبدل مظهرها بحسب المكان والزمان، بالأمس كانوا يمدحون رئيس الوزراء السابق " محمد شياع السوداني " ويغدقون عليه عبارات الثناء، وتُفتح لهم الأبواب وتُمنح لهم الامتيازات، واليوم تراهم يكررون المشهد ذاته مع رئيس الوزراء الجديد " علي الزيدي " ، بنفس الأسلوب ونفس الكلمات ونفس المبالغات، وكأن المبادئ لديهم مجرد ثوب يخلع ويلبس حسب المصلحة ، إن الإعلام الذي يبنى على المصالح الشخصية لا يمكن أن يكون صوت الشعب، والصحافة التي تبيع مواقفها مقابل المكاسب تفقد احترام الناس وثقتهم، فالمواطن أصبح أكثر وعياً من أي وقت مضى، وهو قادر على التمييز بين الصحفي المهني الذي ينقل الحقيقة، وبين من يحول قلمه إلى أداة للتسويق والتطبيل والتزلف،ليس العيب في دعم أي مشروع وطني ناجح أو الإشادة بأي مسؤول يحقق إنجازاً حقيقياً، لكن العيب أن يتحول المديح إلى سلعة تباع وتشترى، وأن يصبح النقد أو الإشادة مرتبطين بحجم المنفعة لا بحجم الإنجاز، عندها تفقد الصحافة رسالتها السامية وتتحول إلى مهنة بلا أخلاق ولا ضوابط،إن أخطر ما تواجهه المجتمعات ليس فقط الفساد المالي أو الإداري، بل أيضاً الفساد الإعلامي الذي يزين الأخطاء ويخفي الحقائق ويصنع هالات وهمية حول الأشخاص ، وعندما يصبح بعض الإعلاميين أبواقاً للسلطة أياً كانت، فإنهم يسيئون إلى شرف المهنة قبل أن يسيئوا إلى الرأي العام ،يبقى الإعلام الحر هو صمام الأمان لأي دولة، ويبقى الصحفي الحقيقي شاهداً على الأحداث لا تابعاً لها، ورقيباً على المسؤول لا موظفاً في ديوانه، أما المتلونون الذين تتبدل مواقفهم مع تبدل المصالح، فسرعان ما تنكشف حقيقتهم أمام الناس، لأن الكلمة الصادقة تعيش طويلاً، بينما يسقط التزلف والارتزاق مع أول اختبار للضمير، انهم خبراء في رياضة الانحناء للرياح السياسية، فإذا هبت الريح من جهة اليمين أصبحوا من أهل اليمين، وإذا تغير اتجاهها تحولوا فوراً إلى الجهة المقابلة، لا يربطهم بالوطن موقف، ولا بالمهنة شرف، بل تربطهم بالمصالح حبال متينة لا تنقطع ،إنهم لا يغيرون مواقفهم وفق الحقائق، بل يغيرون الحقائق وفق مواقفهم، فإذا اقتربوا من السلطة أصبحت الأخطاء إنجازات، وإذا ابتعدوا عنها تحولت الإنجازات إلى كوارث، وهكذا تستمر حفلة التلون، بينما يدفع المتلقي ثمن هذا العبث بثقته وعقل، سيبقى الصحفي الحقيقي معروفاً بثباته مهما اختلفت الظروف، أما المتلونون فسيظلون كأوراق الخريف تتقاذفهم الرياح من جهة إلى أخرى، قد يربحون اليوم بعض المنافع والمكاسب، لكنهم يخسرون أغلى ما يملكه الإعلامي: المصداقية ، وعندما تسقط المصداقية، لا ينفع بعدها مدح سلطان ولا رضا مسؤول، لأن الناس لا تتذكر كم قبض المرتزق، بل تتذكر دائماً كيف باع قلمه هؤلاء لا يعملون في الصحافة، بل في مكتب تبديل الولاءات السريع.
|