الإثنين 2026/6/22 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 37.66 مئويـة
نيوز بار
النص المسرحي العراقي وعلو كعبه عربيًا*
النص المسرحي العراقي وعلو كعبه عربيًا*
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

حيدر ناشي

 

كان المسرح العراقي طوال تاريخه وما زال له الموقع المتميز والهام في خارطة المسرح العربي، فقد حققت العديد من المسرحيات الكثير من الجوائز المهمة في المهرجانات الدولية وأهمها في مهرجان قرطاج الدولي، ومهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، وغيرها من المحافل الدولية، فمنذ مسرحية (لو) للمخرج عزيز خيون وأداء الفنان (جواد الشكرچي) التي حصلت على الجائزة الأولى في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي كأفضل أداء تمثيلي دون منافس، إلى مسرحية (الجنة تفتح أبوابها متأخرًا) التي حصلت على جائزة أفضل عرض عربي متكامل في القرن العشرين في مهرجان قرطاج الدولي وهي من اخراج الفنان (محسن العلي) وبطولة الفنانين (جواد الشكرچي، شذى سالم، رائد محسن)، وقد تخلل في فترات هذه العروض أو ما سبقها أو ما تلاها العديد من المسرحيات المميزة منها (ترنيمة الكرسي الهزاز) التي أخرجها الفنان (عوني كرومي) ومسرحيتي ( الذي ظل في هذيانهِ يقضًا، و المومياء) وهما من إخراج الفنان غانم حميد، كذلك كانت هنالك أعمال مميزة من الأدب العالمي تم إعدادها وإخراجها بطرائق مبتكرة مثل (عطيل في المطبخ) وهي من إعداد وإخراج الفنان سامي عبد الحميد ومسرحية (مكبث) أخراجها الفنان صلاح القصب.

كل هذه الأعمال وغيرها العشرات رغم أهميتها وفخامتها إلا إنها أعتقد كانت تفتقد إلى وضوح الفكرة أو الهدف، فنجدها مضمّخة بالرمزية العالية التي يتأول فيها النص أو حتى المفردة الى العديد من التفسيرات، والسبب ليس الضرورات المسرحية التي يفرضها (علم المسرح) حتى لا يكون النقل مباشرًا فيفقد هويته الفنية ويكون مبتذلًا، وإنما السبب الرئيس هو غياب الحرية في ظل تعاقب الأنظمة السياسية الدكتاتورية الفارضة سطوتها على النتاج الثقافي والفني بشكلٍ عام فتحاول أن تؤدلج حتى زجاجة الماء التي تُنتج في العراق لصالحها.

فكان النص المسرحي طوال سنوات ما قبل عام 2003 مقيدًا ولم يحلّق عاليًا في فكرتهِ المراد ايصالها إلى المتلقي فظل ملجومًا ولم يُطلق له العنان عن فكرتهِ، لكن الذي رفع من جودة هذه الأعمال الرؤية الاخراجية المتميزة للمخرجين العراقيين والأداء العالي للممثلين فضلًا عن التقنيات المسرحية المستخدمة في هذه العروض.

بعد عام 2003 رغم الفوضى التي خلّفها الاحتلال الأمريكي، والتدهور في كل مفاصل الدولة، إلا إن فضاء الحرية أُطلق عِنانه ليفصح الكتّاب المسرحيين العراقيين عن ما اعتمل في صدورهم طوال السنوات السالفة، لتنساب قرائحهم بالنصوص المميزة وغير المقيدة مبتدأين مرحلةً جديدةً في سيرورة المسرح العراقي محليًا وعربيًا، فكان وما زال حضور المسرح العراقي هو الأول أو الغالب في أغلب المهرجانات الدولية، يضاف إلى ذلك نشأة جيل جديد من الكتّاب قد كان موجودًا في آخر سنوات النظام السابق لكنه ليس بالتأثير الذي أصبحوا عليه بعد عام 2003 وكان في مقدمتهم (علي عبد النبي الزيدي، سعد هدابي، مثال غازي، عمار نعمة جابر، وغيرهم) وهؤلاء جاءوا بعد أجيال مهمة عاشت فترة غياب الحرية ومنهم (يوسف العاني، محي الدين زنگنة، محمد علي الخفاجي، طه سالم، سامي عبد الحميد، فلاح شاكر، عادل كاظم، عواطف نعيم.... وغيرهم الكثير)، لذلك انطلق النص المسرحي العراقي فاسحًا لنفسه مساحة كبيرة في خارطة المسرح العربي من خلال مفردات الواقع المعاش، ناقلين الحراك الاجتماعي من مفهوم حداثوي وفق بناءات تتلائم مع ذائقة المتلقي التي تغيرت بفعل تغيير انماط الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتي بدورها أثّرت على الفعل الثقافي فكان مواكبًا لهذه الانماط، كذلك تخلّص النص المسرحي العراقي الحداثوي تقريبًا من سلطة (التابو) العرفي والديني وليس السياسي فقط تماشيًا مع اهتزاز السلطة الابوية للفرد العراقي التي كانت متمثلةً بالدولة والعشيرة والأسرة والمؤسسة الدينية، وفي أحد أسباب غياب سطوة المؤسسة الدينية رغم نزعات التدين الواضحة لدى المجتمع العراقي هو تعدد الولاءات والانتماءات أيدولوجيًا، فلم تُعد هناك سلطة دينية واحدة موجهة قابضة على التفكير، فضلًا عن ارتباط البؤر الدينية المتعددة مع الفعل السياسي الذي تحكمه المصالح الاقتصادية لكلِ بؤرة تختلف مع الأخرى، إن هذه الخطوط المتقاطعة قيدت سلطة (التابو) فأطلق الكاتب العراقي مخياله الجامح في التعبير عن واقعهِ مستعينًا بمفردات الغضب القابع في الأفئدة، مجسّدها في (ميزانسين صوتي) على خشبة المسرح.

والشيء بالشيء يُذكر أنني حضرت عدد من العروض المسرحية المصرية هناك في القاهرة وقد لمست ضعفًا في النصوص، بعدها وجهت سؤالًا الى الفنان المسرحي المصري الكبير (جلال الشرقاوي) حول احجام المصريين عن الاستعانة بالنصوص العربية، إذ اعترف بالتقصير والتكاسل، وأشرت إليه بعد الحوار الصحفي الذي أجريته معه الى الكاتب العراقي المميز (علي عبد النبي الزيدي) حينها طلب مني أن أزوده بعدد من نصوص الزيدي، وفعلًا حدث ذلك، وحينما قابلته بعد مدة وجيزة ، أشاد كثيرًا في نصوص علي الزيدي من حيث اللغة والبناء الدرامي والحبكة، لكنه قال إنها لا تصلح إلا للقراءة لأن فيها من الجرأة ما يستحيل على أي مخرج مسرحي أن يقدمها للجمهور خوفًا على حياتهِ، وقد تفاجأ عندما أخبرته إن هذه النصوص قُدمت في العراق وعدد من البلدان العربية، وقف مذهولًا وقال (ماقتلوهمش؟) ولكَ أن تتخيل إن مصر بلد الفن الأول في العالم العربي، لا يملك جرأة وحرية النص المسرحي العراقي، وذلك خوفًا من قانون (ازدراء الأديان) السائد عندهم.

إن هذه الحرية الطبيعية للأسف محجوبةً في عدد من البلدان العربية، لذلك يجد المشاهد العربي هذه العروض ملجًا للكبت الذي يعاني منه جراء سياسات المؤسسات القابعة على فكرهِ وتفكيرهِ، وفي العروض المسرحية العراقية سبيلًا للتجرد من سطوة الدين أو الدولة أو القبيلة، وهذا لا يعني إن قولي أُفاضل فيه حرية الطرح على حساب الصنعة الاحترافية التي صيغ بها النص، لكن أُوضح إن المخيال العالي والمعبّر مع أدوات الكاتب الناجعة في الصناعة تخلق لنا نصًا جوهريًا عميقًا ليس فيه من الرمزية المبالغة والنائية عن توصيف الأشياء أو الأحداث أو المواقف، ومتساوقًا مع التطلع الجماهيري إلى السماع والمشاهدة.

في هذا السياق أيضًا لابد من ذكر إن النص المسرحي العراقي قد نوقش أكاديميًا في العديد من الجامعات العربية كونه نصًا استلزم أغلب مكونات ومكنونات النص العالمي من حيث بناءهِ وبنيتهِ ولم يقف عند حاجز الجغرافيا المحلية، لأنه حمل بعدًا انسانيًا كوزموبولتيًا، وضّف محليته لعالميته، مشتركًا في الهمّ الانساني، دافعًا برؤيتهِ إلى أقصى الحدود المرسومة في خارطة البشر، فتجد قصته متشابهةً مع أم مكلومة بولدها في أقاصي الأرض، وأبٌ يبحث عن مستقرٍ لعائلته المشرّدة، فضلًا عن قصةِ حبٍ نشَأت تحت أزيز الرصاص، ومشاهد أخرى نابعةً من أرضنا التي سجّل التاريخ أولويتها في كلِ شيء، فتكون معممةً إلى بقاع الرمل والسواد العائم تحت مظلة الشمس.

اللهجة المحكية

لعل أكثر جانب ساهم في انتشار اللهجة المحكية للشعوب هو الفن، وفي عالمنا العربي استطاعت مصر أن تصدّر لهجتها من خلال السينما المصرية بالدرجة الأساس وبعدها عن طريق الدراما التلفزيونية والمسرح الشعبي، وهذا ما انعكس اقتصاديًا على وضع مصر في زيادة نسبة السياحة العربية باتجاههم، أما في العراق لم يساهم المسرح العراقي المعروف بمكانته المتصدرة عربيًا في انتشار لهجتنا المحكية الى الفضاء العربي الأرحب، لأنه رغم حديثنا عن طبيعة النصوص المسرحية شبه المتكاملة إلا إنها كانت تعتمد على اللغة العربية الفصحى وأحيانًا يتم تدجين النصوص بمفردات شعبية لكنها مفهومة عربيًا، وهذا برأيي خلل ساهم في قوقعة اللهجة العراقية محليًا من غير أن تعبر الحدود من خلال المسرح، وقد لمسنا انتشار اللهجة العراقية في السنوات الأخيرة من خلال الأغنية العراقية الحديثة والمسرحيون يتفرجون دون أن يحركوا ساكنًا، ولم يكونوا عاملًا مساعدًا للأغنية حتى من خلال تضمينها في العروض، ولابد من الاستدراك صحيح إن هنالك نصوصًا مسرحيةً مكتوبةً باللهجة العراقية الدارجة، لكن بمجرد السماع بالاشتراك في المهرجانات الدولية يتم التخلي عن هذه النصوص مباشرةً والاستعانة بالنصوص المكتوبة بالفصحى، لذلك نحن بحاجة إلى مواقف شجاعة في الترويج للهجتنا من خلال المسرح، وهذا الأمر عمل عليه المسرح التونسي في عددٍ من العروض التي شاهدتها في بغداد مستفيدين من التجربة المصرية، عازمين بشدة على تصدير لهجتهم حتى وإن استغرقهم الأمر سنوات طوال.

ونحن لسنا بحاجة إلى فرض المفردات المدقعة في المحلية، المتوارثة من أزمنة سلفت، وفي كثير من جذورها تعود الى لغات غير عربية أو من اللغات الرافدينية القديمة، فالكتابة باللغة المفهومة والتي لابد أن تكون حقيقية وليس استعارات لفضية من الفصحى، وهو الأمر الذي انتبه إليه الشعراء في كتابة الاغاني، فهم لم يخرجوا عن اطار اللهجة المحكية في العراق، لكنهم استغنوا عن تلك الذي ذكرتها قبل قليل من مفردات أكل الدهر عليها وشرب واستعانوا بالسائد من المفهوم خارج الاطار الجغرافي للبلد.

أصالة النص

في بدايات المسرح العراقي أخذ المسرحيون العراقيين الاعتماد على النصوص العالمية وتجسيدها أما مطابقة أو اعدادها بشيء من التعريق البسيط، ولم نمتلك حينها نصًا عراقيًا خالصًا، بعد ذلك تنبّه الفنان والكاتب المسرحي يوسف العاني إلى هذا الموضوع وأخذ يكتب نصوصًا عراقيةً مرتبطةً بأحداث وشخوص عراقيين ولم يأخذ من النص العالمي سوى بنيتهِ الفنية، فأصبح للعراق منذاك نصوصًا عراقيةً أصيلةً، وسار بعد ذلك على منحى العاني بقية الكتّاب المسرحيين العراقيين معتمدين على الحدث العراقي ليكون موضوعًا رئيسًا لنصهم، وللامانة يجب القول إن النص المسرحي صدّر الحدث العراقي بأجمل ما يكون، سواءً كان الحدث ايجابيًا ومفرحًا أو سلبيًا ومأساويًا فنقله ببراعة دون زيف أو مبالغة، وهنا لابد من الاشارة إلى تفصيلة النقل حتى لا نُفهم خطأ، إن النقل كان ليس خبريًا وإنما عبر مخيال الكاتب المعتمد على حقائق الأحداث واحتمالاتها المتوقعة زمكانيًا وحدسيًا وفق البنية الاجتماعية التي حصل فيها الحدث وهذا يُحسب أيضًا للكاتب العراقي في أمانتهِ وحرصهِ على النقل الموضوعي، ومهما وجد المتلقي العربي غرائبية في بعض الأحداث لأنه لم يمر بها فقد لا تتحمله قناعاته في التصديق، لكن ليعرف إنها حقيقية وليس من وحي الخيّال الفنتازي، وذلك جراء ما مر به العراق من أحداث كثيرة وعجيبة طيلة عقود من الزمن شهدت حروب وحصارات اقتصادية وعسكرية، فضلًا عن أنظمةٍ سياسيةٍ ملتبسةٍ عاثت في هذه الرقعة الجغرافية بكلِ ما يتفوق على الخيال والتصوّر.

اهمال المنتج الوطني

من خلال دراستي في معهد الفنون الجميلة قسم الفنون المسرحية، شاهدت في مكان دراستي وأيضًا في المعاهد والكليات الأخرى الاعتماد على النصوص المسرحية العالمية أو غيرها من التي تُسمى عالمية، ورفض النصوص العراقية المكتوبة بأقلام كتّاب المسرح العراقي المهمين المقدمة من الطلبة لتكون مشاريع تخرج أو تُشارك في المهرجانات المُقامة في المعاهد والكليات، وهذا أكبر خلل تقع فيه هذه المؤسسات، وأجد إن هذا الفعل افتقارًا للعلمية التدريسية واهمالًا للمنتج الوطني الذي أشاد به البعيد قبل القريب، فلابد لطلبة الفنون المسرحية وحتى الفنون الأخرى الاطلاع على وقائعنا وحوادثنا وتاريخنا، وكذلك جودة كتاباتنا في علم المسرح، والتنطع لتطوير المواهب العراقية في الكتابة والتجسيد والرؤى الاخراجية فضلًا عن تقنيات الفعل المسرحي التي تحتاج دائمًا الى المواكبة لكل ما يطرأ على المشهد المسرحي العالمي، فنحن لسنا أقل شأنًا من غيرنا حتى نقدّم أي نص عليه أسم كاتب يصعب تلفظه على كتابنا المبدعين الذين ميّزهم المسرح العراقي وميّزوه عبر نقلات وقد أقول طفرات مهمة على الصعيد المسرحي العربي على أقل تقدير.

...............................................................

سلسلة دراسات مسرحية ينشرها الكاتب تباعاً*

المشـاهدات 61   تاريخ الإضافـة 22/06/2026   رقم المحتوى 71558
أضف تقييـم