الأربعاء 2026/6/24 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
نيوز بار
الإسلام وحب الوطن
الإسلام وحب الوطن
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

سامي ندا جاسم الدوري

أودع الله تعالى في الإنسان غرائز وميول ورغبات، وبهذه الغرائز والميول يشق الإنسان طريقه في الحياة، وهذه الغرائز إنما تحتاج إلى توجيه وتقنين، ولذا فوجودها ضروري للإنسان. مثلاً غريزة حب الذات وجودها ضروري لحياة الإنسان لأنه بهذه الغريزة يحمي الإنسان نفسه، وبها يدافع عن وجوده، كما يطور من خلالها ذاته ويرتقي بها نحو التقدم والنجاح، وغريزة حب الذات تحتاج إلى توجيه وإرشاد وتقنين لكي لا يتجاوز الإنسان بها الحدود.ومن الغرائز المودعة في نفس الإنسان حب الإنسان لوطنه وبلاده، وهي موجودة في نفس كل إنسان، انه يحب بلده، يحب وطنه، يحب الأرض التي ولد فيها ونشأ عليها وتربى وترعرع في ربوعها، هذه الغريزة الطبيعية في حب البشر لأوطانهم، لاحظها العلماء أيضاً بالنسبة لكثير من أنواع الحيوانات، وهي من ضروريات هذا الوجود الإنساني على هذه الأرض.وهناك علاقة وثيقة بين الدين وحب الوطن، لأن الدين الحقيقي ينعكس أثره على علاقات الإنسان مع الأشياء من حوله، فتصبح تلك العلاقات قويمة واضحة، لذلك يكون حب الوطن جزءاً من الإيمان ومظهراً من مظاهره وفقاً للحديث الشريف (حب الوطن من الإيمان) وقال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه(من كرم المرء.. حنينه إلى أوطانه). وتنطلق التربية الإسلامية في تعاملها مع النفس البشرية من منطلق الحب الإيماني السامي الذي يملأ جوانب النفس البشرية بكل معاني الانتماء الصادق ، والولاء الخالص ولاشك أن حب الوطن من الأمور الفطرية التي جُبل الإنسان عليها ، فليس غريباً أبداً أن يُحب الإنسان وطنه الذي نشأ على أرضه وشبَّ على ثراه وترعرع بين جنباته . كما أنه ليس غريباً أن يشعر الإنسان بالحنين الصادق لوطنه عندما يُغادره إلى مكانٍ آخر ، فما ذلك إلا دليلٌ على قوة الارتباط وصدق الانتماء . وحتى يتحقق حب الوطن عند الإنسان لا بُد من تحقق صدق الانتماء إلى الدين أولاً ، ثم الوطن ثانياً ، إذ إن تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف تحُث الإنسان على حب الوطن ولعل خير دليلٍ على ذلك ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وقف يُخاطب مكة المكرمة مودعاً لها وهي وطنه الذي أُخرج منه ( ما أطيبكِ من بلد ، وأحبَّكِ إليَّ ولولا أن قومي أخرجوني منكِ ما سكنتُ غيركِ ) ولولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مُعلم البشرية يُحب وطنه لما قال هذا القول الذي لو أدرك كلُ إنسانٍ مسلمٍ معناه لرأينا حب الوطن يتجلى في أجمل صوره وأصدق معانيه ، ولأصبح الوطن لفظاً تحبه القلوب وتهواه الأفئدة ، وتتحرك لذكره المشاعر .وإذا كان الإنسان يتأثر بالبيئة التي ولد فيها ، ونشأ على ترابها وعاش من خيراتها فإن لهذه البيئة عليه بمن فيها من الكائنات ، وما فيها من المكونات حقوقاً وواجباتٍ كثيرةً تتمثل في حقوق الأُخوة وحقوق الجوار وحقوق القرابة وغيرها من الحقوق الأُخرى التي على الإنسان في أي زمانٍ ومكان أن يُراعيها وأن يؤديها على الوجه المطلوب وفاءً وحباً منه لوطنه . وإذا كانت حكمة الله تعالى قد قضت أن يُستخلف الإنسان في هذه الأرض ليعمرها على هدى وبصيرة وأن يستمتع بما فيها من الطيبات والزينة لاسيما أنها مُسخرةٌ له بكل ما فيها من خيراتٍ ومعطيات فإن حُب الإنسان لوطنه وحرصه على المحافظة عليه واغتنام خيراته إنما هو تحقيقٌ لمعنى الاستخلاف الذي قال فيه سبحانه وتعالى (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ) 0 ويمكن القول إن دور التربية الإسلامية يتمثلُ في تنمية الشعور بحب الوطن عند الإنسان وتربية الإنسان على استشعار ما للوطن من أفضالٍ سابقةٍ ولاحقة عليه منذ نعومة أظفاره ومن ثم تربيته على رد الجميل ومجازاة الإحسان بالإحسان لاسيما أن تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف تحث على ذلك وترشد إليه كما في قوله تعالى ( هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ ). والحرص على مد جسور المحبة والمودة مع أبناء الوطن في أي مكانٍ منه لإيجاد جوٍ من التآلف والتآخي والتآزر بين أعضائه الذين يمثلون في مجموعهم جسداً واحداً مُتماسكاً في مواجهة الظروف المختلفة . والعمل على أن تكون حياة الإنسان بخاصة والمجتمع بعامة كريمةً على أرض الوطن ، ولا يُمكن تحقيق ذلك إلا عندما يُدرك كل فردٍ فيه ما عليه من الواجبات فيقوم بها خير قيام . وكذلك تربية أبناء الوطن على تقدير خيرات الوطن ومعطياته والمحافظة على مرافقه ومُكتسباته التي من حق الجميع أن ينعُم بها وأن يتمتع بحظه منها كاملاً غير منقوص . والفطرة الإنسانية تشهد على أن للإنسان ولاء وانتماء إلى "الأهل" بمعنى الأسرة والعشيرة. وإلى الشعب في الوطن والإقليم الذي تربى ونشأ فيه. وإلى الأمة -الجماعة- التي يتكلم لسانها ويشترك معها في الاعتقاد الديني. ثم إلى الإنسانية التي خلقه الله وإياها من نفس واحدة. وتشهد الفطرة السليمة لدى الإنسان السوي على ذلك دونما تناقض أو تعارض بين هذه الدوائر في الولاء والانتماء فهي أشبه ما تكون بدرجات سلم واحد، يفضي بعضها إلى بعض، وتدعم إحداها الأخرى، بشرط أن تخلو مضامينها من الشطحات العنصرية ونزعات الغلو في التعصب، التي تقطع الروابط بين هذه الدوائر. فلا مشكلة في تعدد دوائر الانتماء، طالما قام وربط بينها الانتماء الأكبر وهو الانتماء إلى الإسلام. فالإنسان إذا عاد إلى فطرته السليمة فإنه سيجد حنيناً خاصاً إلى المكان الذي ولد فيه، وولاء للوطن الذي ضمن له الرعاية والحماية والخدمات، وانتماءاً للوطن الأكبر الذي كونت ذكريات انتصاراته وطموحاته وآماله وآلامه مخزون التاريخ والتراث .

المشـاهدات 28   تاريخ الإضافـة 24/06/2026   رقم المحتوى 71619
أضف تقييـم