الإثنين 2026/6/29 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 34.79 مئويـة
نيوز بار
الصقلاوي في عين الحب
الصقلاوي في عين الحب
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

ناصر أبو عون

أولا- قصيدة (عين الحب)

[في عين الحبِّ، ترى ما في الإنسانْ/ تتبصر حسن جمال العالمِ/ تدرك كُنْهَكْ/ تُصبحُ عيناكَ سماءً ونجومْ/ وفؤادُكَ جناتٍ وسلامًا وكرومْ..في عين الحبِّ / وأنتَ وما فيكَ سويًا/ تتلاشى الجدرانْ/ يبقى

شلال الضوءِ،/ وزهر الروحِ/ عذوبة بسماتِ الأزمانْ..  في عين الحبِّ، تبقى/ ذاكرة الماءِ/ ونبض القلبِ/ بكل مكانْ/ تبقى/ أغنيةٌ لاتتركُ مِعْزَفَها/ لا تهجرُ رنّاتِ الأوتارِ/ ولا تقربُ دائرةَ النسيانْ.. في عين الحبِّ/ تحيا/ في تغريدِ الطيرِ/ في نهر الإحساسِ/ وفي بستانِ اللمحاتِ/ في مرأى اللحظاتِ/ وفي همسِ الوجدانْ/ في شفةِ الوردِ البسّامِ الزّاهي/ أبدًا/ تخضرُّ على الأغصانْ].

ثانيا- القراءة النقدية

سنحاول الإطلالة على هذه القصيدة من نافذة (نظرية التلقّي)، وإعمال التأمّل فيها من وجهة نظر مدرسة كونستاس، التي تؤكد على أنّ القصيدة لا يكتمل معناها، ولا تشغل حيزًا في ذهن القاريء/ المتلقي إلا عبر تفاعله مع البِنية الشعرية.

وقصارى القول فإنّ قصيدة (عين الحب) للشاعر العُماني سعيد الصقلاوي لن يكتمل معناها إلا باشتباك القاريء معها، ومحاولته تفكيك شفرتها، وتعبئة مساحات البياض التي تركها الشاعر مع سبق الإصرار على ارتكاب الفعل الشعريّ، والترصد للصور الشعرية المُحلِّقة في سماء القصيدة وإغوائها بالسكنى ما بين السطور وأحضان الموسيقى الخليليّة، وعلى نواصي تفعيلاتها. ولن يسطيع قاريء تعبئة هاتيك الفراغات إلا وِفْق ما تمليه عليه خبرته الثقافية ورؤاه الوجدانية.

ومن ثَمَّ سأتيح للقاريء الذي يسكن بداخلي فرصة مشاركة الشاعر سعيد الصقلاوي بإعادة إنتاج هذه القصيدة عملًا بقاعدة أنّ المعنى في العمل الإبداعيّ ليس ثابتًا، ولا يحمل معنى سابقًا، وليس مُركَّبًا من وحدات فكريّة سابقة التجهيز(LEGO)، بل يمكن توليد المعنى بالتفاعل والتشاركية أثناء عملية التلقي.

فإذا ما تأمّلنا مطلع القصيدة سنجد الصقلاوي يقول: (في عين الحب، ترى ما في الإنسان)؛ ولكنّه لم يضع إجابات حاسمة لهذه الأسئلة: (ما هي عين الحب؟ وما المقصود بالإنسان؟ ومن الذي رأى؟).

وخيرًا فعل الصقلاوي فقد ترك للقراء مساحات شاسعة وفراغات على سطح الورقة وما بين السطور ليحضّهم على تعبئتها من مخزون خبرتهم الثقافية ومكنوز رؤيتهم الوجدانية؛ فقد يقرأها الفيلسوف باعتبارها (رؤية فلسفية للوجود)، وقد يقرأها المتصوّف بوصفها (حبًّا إلهيًا)، وقد يقرأها اللادينيّ لكونها (حبًّا إنسانيًّا)؛ إذن المعنى ليس معطىً جاهزًا ولا نابعًا من كلمات القصيدة، بل يتمّ توليده أثناء عملية التلقّي والقراءة التفاعليّة.

ومن ثَمَّ فإن هذه القصيدة – على بساطتها- (خرقت أُفق التوقّع) لدى القاريء/ المتلقي، بل تُفاجئه عند كل فاصلة شعرية؛ ليجد نفسه مع بداية كل سطر، وفي نهاية كل تفعيلة في وضعٍ يحول بينه وبين الاستقرار على قراءة واحدة أو معنى واحد.

وبناءً عليه تعالوا لنتفق معًا على قاعدة - ربّما تبدو مسلَّمة- ألا وهي: إن كل قاريء يأتي إلى ساحة القصيدة وهو متخمٌ برزنامة من التوقّعات؛ فمثلًا عندما يتلقى القاريء من الوهلة الأولى جملة (في عين الحب) سيتوقّع أن القصيدة غزلية وتراثيّة، لكنه سيتفاجأ بأنّ القصيدة انتقلت به إلى فضاء مغاير؛ لـ(ترى ما في الإنسان)، ثم (تدرك كنهك)، ثم (تصبح عيناك سماءً ونجومًا)؛ لقد انكسر هنا أفق التوقّع الأول؛ بتحوّل الحبّ من مجرد علاقة غرامية بين طرفين إلى حالة روحيّة ومعرفيّة.

وترتكز القصيدة على جمالية فنيّة أخرى ألا وهي تَعَمُّد الشاعر سعيد الصقلاوي ترك مساحة واسعة من (الفراغات)؛ وهذه التقنية بدورها تجذب المتلقين/ القراء وتجبرهم على المشاركة في إنتاج المعنى ومحاولة تعبئتها من مخزون خبراتهم الثقافية، وصندوق ذاكراتهم الوجدانية. وهذه الفراغات عنصر جماليَّ يفتح أبواب التأويل على مصاريعها، بل يغري كل قاريء بتقديم تفسير يتوافق مع رؤيته وخبرته. فمثلا: ما المقصود بـ(شلال الضوء)؟ هل هو التجلّي/ المعرفة؟ الصفاء؟ الوحي؟ الحقيقة؟ وهل المقصود بـ(زهر الروح): (الإيمان؟ الصفاء؟ المحبة؟ البراءة؟). في الحقيقة قصيدة الصقلاوي لا تقدم للقراء إجابات قاطعة أو سابقة التجهيز.

وعلى منحىً آخر سنجد قصيدة (عين الحب) غير وصفيّة، ولا تنقل لنا الواقع، بل هي مجموعة من الصور الشعرية المشفّرة والمسكونة بالرموز. وبناءً عليه فإنّ القاريء يقع عليه عبء إعادة بناء الصور وفق خبرته وتصوّراته الوجدانية؛ فمثلا الصورة/ التشبيه البليغ في قول الصقلاوي:(تصبح عيناك سماءً ونجومًا)؛ فهذه ليست صورة جاهزة، وعلى القاريء إعادة تشكيلها ذهنيا، ثم إعادة تركيب وحداتها واستنطاق معانيها.

ومن الصور المثيرة للجدل أيضا قوله: (فؤادك جنات وسلامًا وكروم)؛ فهذه صورة ليست حسيّة، لذا إذا أُعيدت عملية تشكيلها داخل وعي مجموعة من القراء، سيختلف المشهد كثيرًا من قاريء إلى آخر. وهذا بدوره سيجعل القصيدة قابلة لإعادة القراءة مرات ومرات.

وفي الأخير يمكننا القول: إنّهذه القصيدة تحققت فيها العديد من القيم الجمالية في إطار (نظرية التلقي) ومن أهمها: أن القاريء ليس متلقيا سلبيا، بل منتج للقصيدة والمعاني والصور من خلال خبرته الثقافية ورؤاه الوجدانية، فضلًا عن تولّد أثر جماليّ بارز أثناء عملية التلقي في تمثّل في انفتاح الدلالة، والانتقال من المحسوس إلى المجرد، وكثافة الرموز الطبيعية، واتساع مساحة الفراغات التأويلية، وتعدد الصور الغنية بالدلالات، والإيقاع القائم على التكرار، وفي النهاية المفتوحة بقول الشاعر: (أبدًا تخضرُّ على الأغصان).

المشـاهدات 52   تاريخ الإضافـة 28/06/2026   رقم المحتوى 71717
أضف تقييـم