الإثنين 2026/6/29 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 37.31 مئويـة
نيوز بار
جسور لا جدران ..كيف ننقذ إنسانيتنا من مقصلة التعصب؟
جسور لا جدران ..كيف ننقذ إنسانيتنا من مقصلة التعصب؟
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب عبد العظيم محمد
النـص :

في عالمٍ بات يشبه قرية كونية صغيرة ، أصبح التنوع البشري حقيقة لا يمكن القفز فوقها . ومع ذلك ، يعيش مجتمعنا المعاصر مفارقة غريبة ؛ فبقدر ما اقتربنا جغرافياً ورقمياً ، ابتعدنا إنسانياً ونفسياً . إن السلم المجتمعي ليس مجرد شعار رنان يُرفع في المؤتمرات ، بل هو الأوكسجين الحقيقي الذي تتنفسه الأوطان لتبقى على قيد الحياة . وعندما يغيب هذا الأوكسجين ، يحل محله غبار التعصب ، والتطرف ، وتجاهل الآخر ، لتتحول المجتمعات من واحات للتعايش إلى ساحات للتناحر .

 

وهم التفوق ومقصلة "تجاهل الآخر"

 

يبدأ الخطر عندما يظن فرد أو مكوّن ما أنه يملك الحقيقة المطلقة وحده ، وأن الآخر "المختلف" هو تهديد يجب إقصاؤه أو تجاهله . إن التعصب أعمى ، لا يرى ألوان الطيف بل يرى العالم إما أسود أو أبيض . وتجاهل الآخر هو أولى خطوات "إلغائه" معنوياً ، وهو التربة الخصبة التي تنبت فيها بذور الطائفية البغيضة .حينما نتجاهل الآخر ، نحرم أنفسنا من ثراء التجربة الإنسانية ، ونبني جدراناً من الأوهام والخوف ، متناسين أن القوة لا تكمن في التشابه ، بل في التكامل والانسجام بين مختلف مكونات المجتمع .

 

القيم الروحية : حبل النجاة من مستنقع الطائفية

 

أمام هذه الموجات المتلاطمة من التطرف ، تبرز القيم الروحية السامية كقارب نجاة حقيقي . إن الأديان والمذاهب في جوهرها النقي لم تأتِ لتكون سبباً في الشقاق ، بل جاءت لتهذيب النفس الإنسانية وإرساء قيم العدل ، والمحبة ، والتسامح ."إن تمسكنا الحقيقي بالقيم الروحية لا يتجلى في طقوس مظهرية ، بل في قدرتنا على تجسيد تلك القيم سلوكاً يومياً ؛ بنبذ الطائفية ، وحقن الدماء ، وإعلاء كرامة الإنسان لكونه إنساناً أولاً وقبل كل شيء."تلك الروحانيات تدعونا بوضوح إلى بث روح التوجه السلمي ، وتحثنا على إيجاد أعذار للآخر بدلاً من ترصد سقطاته ، مما يعزز اللحمة المجتمعية ويجعل من النسيج الوطني سداً منيعاً بوجه أي محاولات للتمزيق .

 

حوار الأديان : من "التعايش الحذر" إلى "الشراكة الحقيقية"

 

لكي ننتقل من التنظير إلى التطبيق ، يبرز حوار الأديان كأداة حضارية لا غنى عنها . هذا الحوار لا يعني أبداً تذويب الهويات أو تنازل أي طرف عن معتقداته ، بل يعني باختصار : الاحترام المتبادل .الاستماع بهدف الفهم : لا بهدف الرد والانتصار الزائف .البحث عن المشتركات : التركيز على القيم الإنسانية الكبرى (كالصدق ، الأمانة ، وحماية الضعيف) التي تلتقي عليها كل الرسائل السماوية .تفكيك الصور النمطية : الجلوس على طاولة الحوار يذيب جبال الجليد التي صنعتها خطابات الكراهية والتجهيل .إن احترام الكل ، والاعتراف بحق الآخر في الاختلاف والوجود ، هو الضمانة الوحيدة لإنتاج جيل واعي ، يؤمن بأن الوطن يتسع للجميع ، وأن ثراء المجتمع يُقاس بمدى قدرته على استيعاب وتكريم كافة أطيافه.

 

خاتمة : صناعة السلام مسؤولية جماعية

 

إن السلم المجتمعي ليس مسؤولية جهة حكومية أو مؤسسة دينية بمفردها ، بل هو عقد اجتماعي يشترك فيه الجميع ؛ من الأم في بيتها ، والمعلم في مدرسته ، والإعلامي خلف شاشته ، ورجل الدين في منبره .دعونا نختار اليوم أن نبني جسوراً للتواصل بدلاً من جدران العزلة ، وأن ننظر إلى الاختلاف على أنه لوحة فنية بديعة تتكامل ألوانها لتصنع مشهداً رائعاً اسمه "الوطن". لنرفض التعصب ، ولنحتضن الآخر ، ولنجعل من السلام لغتنا المشتركة الوحيدة.

المشـاهدات 79   تاريخ الإضافـة 29/06/2026   رقم المحتوى 71757
أضف تقييـم