الثلاثاء 2026/6/30 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 38.71 مئويـة
نيوز بار
العقل الذي يمنح منظومة توماس الحياة لماذا لا يستطيع توخيل الاستغناء عن بيلينجهام؟
العقل الذي يمنح منظومة توماس الحياة لماذا لا يستطيع توخيل الاستغناء عن بيلينجهام؟
الملحق الرياضي
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

متابعة ـ الدستور الرياضي

قبل عامين، خطف جود بيلينجهام الأنظار عندما أنقذ منتخب إنجلترا بهدف مقصي مذهل في الدقيقة الخامسة والتسعين أمام سلوفاكيا في بطولة أوروبا، ثم وقف أمام الجماهير صارخاً: "من غيره؟".في ذلك الوقت بدت العبارة وكأنها مجرد احتفال عاطفي بلحظة تاريخية، لكنها مع مرور الوقت تحولت إلى وصف دقيق لمكانته داخل المنتخب الإنجليزي.ففي الانتصار على بنما بنتيجة 2-0 ضمن منافسات كأس العالم 2026، لم يكن بيلينجهام مجرد أفضل لاعب في الملعب، بل كان اللاعب الذي دارت حوله المنظومة بأكملها. لقد أثبت أن قيمته لا تكمن في تسجيل الأهداف أو صناعتها فقط، وإنما في قدرته على جعل أفكار توماس توخيل قابلة للتنفيذ، مهما اختلفت الظروف أو تبدلت الأدوار.ومع إصابات مؤثرة ضربت المنتخب الإنجليزي، وجد المدرب الألماني في نجم ريال مدريد اللاعب الوحيد القادر على سد أكثر من ثغرة في الوقت نفسه، ليصبح محور مشروعه الفني بلا منازع.

 

توخيل لم يغيّر فلسفته

 

منذ توليه تدريب المنتخب الإنجليزي، أكد توماس توخيل أن فلسفته لن تتغير كثيراً خلال البطولة، وأن الاستقرار التكتيكي سيكون أساس النجاح.لكن مواجهة بنما فرضت تعديلات اضطرارية بسبب الإصابات، أبرزها غياب ديكلان رايس ورييس جيمس، وهو ما أجبر المدرب الألماني على إعادة توزيع الأدوار داخل الملعب.وهنا ظهر بيلينجهام باعتباره الحل الأمثل. فبدلاً من القيام بالدور الهجومي المعتاد، بدأ المباراة كلاعب وسط متكامل يتحرك بين منطقتي الجزاء، ليتحول إلى همزة الوصل بين الدفاع والهجوم، ويمنح المنتخب مرونة كبيرة أثناء الاستحواذ.

 

مهندس التحول التكتيكي

 

في أول مباراتين، اعتمدت إنجلترا على بناء اللعب من الخلف عبر قلبي الدفاع وإليوت أندرسون، بينما كان ديكلان رايس وبيلينجهام يتحركان بعيداً عن محور الارتكاز، الأمر الذي يسمح لهاري كين بالتراجع لاستلام الكرة.لكن أمام بنما تغير المشهد. دخل جاريل كوانساه في مركز الظهير الأيمن، إلا أن دوره الحقيقي كان الانضمام إلى خط دفاع ثلاثي أثناء الاستحواذ، إلى جانب مارك جيهي وإزري كونسا، بينما واصل نيكو أورايلي التحرك بحرية في الجهة اليسرى.في المقابل، لم يعد كين مضطراً للعودة كثيراً إلى الخلف، إذ تولى بيلينجهام مهمة مساندة أندرسون في بناء اللعب، لتتحول خطة إنجلترا باستمرار بين 3-2-5 و3-1-6 وفقاً لتحركات نجم ريال مدريد.هذا التغيير منح المنتخب مرونة تكتيكية كبيرة، وجعل بيلينجهام اللاعب المسؤول عن تحديد شكل الفريق أثناء الاستحواذ، وذلك حسبما أفادت "BBC".

 

اللاعب الذي فهم كل أفكار توخيل

 

بعد اللقاء، أوضح توخيل أن بيلينجهام لعب دور صانع الألعاب عندما امتلكت إنجلترا الكرة، بينما كان الهدف هو إشراك ستة لاعبين في الخط الأمامي الأخير لمواجهة الدفاع الخماسي لبنما.وتقوم فلسفة المدرب الألماني على مجموعة من المبادئ الواضحة: "جذب الخصم للضغط ثم ضربه بتمريرات سريعة، واللعب العمودي المباشر نحو المساحات خلف المدافعين".علاوة على "تطبيق ضغط عكسي شرس فور فقدان الكرة، وبناء الهجمات عبر الأطراف باستخدام مثلثات هجومية، واستغلال الكرات الثابتة بأقصى درجة ممكنة".لكن تطبيق هذه الأفكار يحتاج إلى لاعب يستطيع الانتقال بين أكثر من مركز خلال المباراة نفسها، وهو ما وفره بيلينجهام بصورة مثالية.

 

سيد المساحات الضيقة

 

لم تعتمد إنجلترا هذه المرة على الأطراف فقط، بل حاولت اختراق العمق بشكل أكبر. وكان إليوت أندرسون يبحث باستمرار عن تمريرات مباشرة نحو اللاعبين الموجودين بين الخطوط، بينما تبادل كين ومورجان روجرز وأورايلي وبيلينجهام شغل المساحات المركزية.هذا التمركز أجبر لاعبي بنما على الانكماش في العمق، وهو ما فتح مساحات واسعة أمام الجناحين. ورغم أن هذا الأسلوب لم يكن معتاداً في منظومة توخيل، فإن بيلينغهام نجح في جعله أكثر فاعلية بفضل ذكائه في التحرك واستلام الكرة تحت الضغط.ويعرف الجميع أن بيلينجهام يفضل اللعب في المساحات المفتوحة، لكنه أمام بنما أثبت امتلاكه وجهاً آخر. فكلما استلم الكرة وسط ازدحام المنافس، كان يجد حلولاً غير تقليدية.أحياناً ينجح في تدوير اللعب سريعاً نحو الأطراف. وأحياناً أخرى يحتفظ بالكرة حتى يحصل على خطأ يمنح فريقه فرصة لإعادة تنظيم الصفوف.بهذه الطريقة، حمى المنتخب الإنجليزي من فقدان الكرة في مناطق خطيرة، وحافظ على إيقاع اللعب عندما ازدادت الضغوط.

 

المنقذ الحقيقي

 

اعترف أنتوني باري، مساعد توخيل، بين شوطي المباراة بأن المنتخب اندفع أكثر من اللازم في البداية، وهو ما تسبب في خسارة الكرة كثيراً داخل العمق وفتح المجال للهجمات المرتدة.لكن خلال تلك الفترة الصعبة، كان بيلينجهام اللاعب الذي أنقذ الفريق. فقد نفذ سباقات طويلة لاستعادة الكرة، وقدم تدخلات دفاعية حاسمة، كما كان أول من يقود الضغط العكسي فور فقدان الاستحواذ.ورغم مكانته كنجم عالمي، لم يتردد في القيام بالأدوار الشاقة التي عادة ما يؤديها لاعبو الارتكاز. ولهذا السبب تحديداً، بدا وكأنه اللاعب الذي يمنح المنظومة توازنها الدفاعي والهجومي في الوقت نفسه.وإذا كان الشوط الأول قد أظهر بيلينجهام كلاعب وسط متكامل، فإن الشوط الثاني كشف عن نسخة هجومية أكثر خطورة.فقد تقدم إلى مركز أقرب لصانع الألعاب، وبدأ ينطلق باستمرار خلف المدافعين، مستفيداً من المساحات التي خلفها ضغط منتخب بنما، وكانت هذه التحركات هي المفتاح الحقيقي لكسر دفاع المنافس.

 

ذكاء يصنع الفارق

 

ساهم تمركز أورايلي وكوانساه في العمق في جذب لاعبي وسط بنما، وهو ما منح بوكايو ساكا وماركوس راشفورد حرية أكبر على الأطراف. واستغل راشفورد هذا الوضع بالتحرك نحو العمق لاستلام تمريرات مباشرة من الدفاع.لكن بيلينجهام كان صاحب الفكرة قبل تنفيذها. ففي إحدى اللقطات خلال الشوط الأول، أشار بيده إلى المساحة التي ركض إليها هاري كين، مطالباً راشفورد بإرسال الكرة إليها.ورغم أن الهجمة لم تكتمل آنذاك، فإن الفكرة نفسها تكررت بعد الاستراحة وأسفرت عن الهدفين. لقد كان بيلينجهام يقرأ المباراة قبل الجميع.الهدف الأول بدأ بانطلاقة ذكية من بيلينجهام خلف الظهير المتقدم، ثم مراوغة أجبرت المدافع على تشتيت الكرة إلى ركلة ركنية، ومنها جاء هدف التقدم.أما الهدف الثاني، فجاء بعد قراءة مثالية للمساحات، تلتها انطلاقة قوية، ثم تمريرة عرضية متقنة إلى هاري كين، الذي أكمل المهمة بنجاح.ورغم أن اسمه لم يسجل على لوحة الهدافين، فإن بصمته كانت حاضرة في كل تفاصيل الانتصار.

 

من لاعب مثير للجدل إلى قائد المشروع

 

قد لا يكون أسلوب توخيل الأكثر إبهاراً من الناحية الجمالية، لكنه يبدو مثالياً لبطولات كأس العالم، لأنه يمنح الفريق توازناً بين السيطرة والمخاطرة المحسوبة.غير أن نجاح هذا النظام يعتمد بصورة كبيرة على وجود لاعب قادر على تنفيذ أدوار متعددة دون أن يفقد جودته أو تأثيره. وهنا تتجلى قيمة بيلينجهام.فهو لاعب يستطيع الدفاع والضغط، والمشاركة في بناء اللعب، وصناعة الفرص، والانطلاق خلف المدافعين، والتسجيل عند الحاجة.وبفضل هذا التنوع، أصبح العنصر الذي يربط جميع خطوط المنتخب الإنجليزي، ويمنح أفكار توخيل الحياة داخل أرض الملعب.وقبل انطلاق كأس العالم، كانت هناك تساؤلات عديدة حول أحقية بيلينجهام في الاحتفاظ بمكانه أساسياً، خاصة بعد موسم طويل شهد انتقادات متباينة لمستواه.لكن ما قدمه حتى الآن أغلق باب النقاش تماماً. لقد أثبت أن أهميته لا تقاس بعدد الأهداف أو التمريرات الحاسمة، وإنما بقدرته على جعل كل من حوله أفضل.وبات واضحاً أن توخيل لا يملك لاعباً آخر يستطيع أداء هذا الكم الهائل من المهام بالكفاءة نفسها.ولهذا السبب، لم يعد بيلينجهام مجرد نجم منتخب إنجلترا، بل أصبح العمود الفقري للمشروع بأكمله، واللاعب الذي يمنح المدرب الألماني الثقة في تنفيذ أفكاره، مهما كانت معقدة أو جريئة.وبين هدفه الأسطوري في اليورو، ودوره الشامل في كأس العالم، يبدو أن السؤال الذي ردده قبل عامين لا يزال صالحاً حتى اليوم: "من غيره؟".

المشـاهدات 66   تاريخ الإضافـة 30/06/2026   رقم المحتوى 71801
أضف تقييـم