الأربعاء 2026/7/1 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 41.82 مئويـة
نيوز بار
عندما يفقد المواطن ثقته بالدولة... الفساد بداية تآكل الأوطان
عندما يفقد المواطن ثقته بالدولة... الفساد بداية تآكل الأوطان
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب د. عصام البرّام
النـص :

لا تبدأ الأوطان بالانهيار عندما تتعرض لأزمة اقتصادية أو اضطراب سياسي فحسب، وإنما تبدأ رحلة التراجع الحقيقية عندما يفقد المواطن ثقته بمؤسسات دولته. وهذه الثقة لا تتآكل فجأة، بل تنحسر تدريجيًا كلما تمدد الفساد في مفاصل الدولة، وكلما شعر المواطن بأن القانون لا يُطبق على الجميع، وأن الحقوق يمكن الحصول عليها بالواسطة أو الرشوة أو النفوذ، لا بالاستحقاق والعدالة. ولهذا فإن أخطر ما يخلّفه الفساد ليس حجم الأموال التي تُسرق، بل حجم الثقة التي تُفقد، لأن الثقة هي الأساس الذي تقوم عليه العلاقة بين الدولة ومواطنيها.فالفساد ليس مجرد مخالفة إدارية أو جريمة مالية، بل هو ثقافة سلبية إذا تُركت دون مواجهة تحولت إلى سلوك يومي يهدد القيم العامة، ويجعل المجتمع يتقبل الممارسات الخاطئة باعتبارها أمرًا طبيعيًا. وعندما تصل الدولة إلى هذه المرحلة، تصبح عملية الإصلاح أكثر صعوبة، لأن الفساد لا يكون قد تغلغل في المؤسسات فحسب، بل يكون قد تسلل أيضًا إلى طريقة التفكير وإدارة المصالح والعلاقات داخل المجتمع.

 

الفساد يهدم العلاقة بين المواطن والدولة

 

تقوم الدولة الحديثة على عقد غير مكتوب بين المواطن ومؤسسات الحكم، أساسه أن يلتزم المواطن بالقانون، مقابل أن توفر له الدولة العدالة والخدمات والأمن والفرص المتكافئة. لكن هذا التوازن يختل عندما يشعر المواطن بأن القانون يُطبق بصورة انتقائية، أو أن بعض الأشخاص يحصلون على امتيازات لا يستحقونها بسبب نفوذهم أو علاقاتهم.وعندما تتكرر هذه المشاهد، يبدأ المواطن بفقدان الثقة في المؤسسات العامة، ويتراجع شعوره بالانتماء والمسؤولية، ويصبح أكثر ميلًا إلى البحث عن حلول فردية لمشكلاته، حتى وإن كانت خارج إطار القانون. وهنا تتراجع هيبة الدولة تدريجيًا، لأن احترام القانون يرتبط دائمًا بثقة الناس في عدالته ونزاهة القائمين على تطبيقه.كما أن الفساد يولد شعورًا بالإحباط لدى الشباب، خصوصًا عندما يرون أن الكفاءة والاجتهاد لا يكفيان للوصول إلى فرص العمل أو الترقي أو النجاح، بينما تحقق الواسطة والمحسوبية ما لا تحققه الكفاءة. وهذا الشعور ينعكس على الإنتاج والإبداع، وقد يدفع بعض الكفاءات إلى الهجرة بحثًا عن بيئات أكثر عدالة وتقديرًا لقدراتهم، فتخسر الدولة أهم ثرواتها، وهي الإنسان المؤهل.

 

المؤسسات القوية لا تتعايش مع الفساد

 

إن قوة الدول لا تُقاس فقط بما تمتلكه من موارد طبيعية أو إمكانات اقتصادية، وإنما بقدرة مؤسساتها على العمل وفق القانون والشفافية والكفاءة. فالمؤسسة التي تسمح بانتشار الفساد داخلها تفقد تدريجيًا قدرتها على الإنجاز، لأن القرارات تصبح خاضعة للمصالح الشخصية بدلًا من المصلحة العامة.وتبدأ مظاهر التراجع في الظهور من خلال بطء الإجراءات، وضعف الخدمات، وتأخر تنفيذ المشاريع، وارتفاع كلفتها دون تحقيق نتائج حقيقية. ومع مرور الوقت تتحول هذه الاختلالات إلى أعباء تثقل كاهل الدولة وتؤثر في حياة المواطنين بصورة مباشرة.ولا يقتصر أثر الفساد على مؤسسة بعينها، بل يمتد إلى بقية مؤسسات الدولة، لأن ضعف مؤسسة واحدة ينعكس على المؤسسات الأخرى. فإذا ضعفت الرقابة، اتسعت مساحة التجاوزات، وإذا تراجعت العدالة، ضعفت هيبة القانون، وإذا غابت الكفاءة في الإدارة، تراجعت جودة الخدمات في التعليم والصحة والبنية التحتية والاستثمار، لتدخل الدولة في دائرة يصعب الخروج منها دون إصلاح جذري.ومن هنا فإن بناء مؤسسات قوية يتطلب اختيار القيادات على أساس النزاهة والكفاءة والخبرة، وترسيخ مبدأ المساءلة، وعدم التساهل مع أي تجاوز مهما كان مرتكبه، لأن التساهل مع الفساد الصغير يفتح الباب أمام فساد أكبر يصعب احتواؤه لاحقًا.

 

مسؤولية القيادة في استعادة الثقة ومكافحة الفساد

 

إن مسؤولية مكافحة الفساد تقع في المقام الأول على عاتق القيادة العليا للدولة، وكذلك على رؤساء المؤسسات والهيئات العامة والخاصة، لأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من القمة وينعكس على بقية مستويات الإدارة. ومن واجب رئيس الدولة، أو رئيس أي مؤسسة، ألا يكتفي بمتابعة النتائج، بل أن يبحث بصورة مستمرة عن الأسباب التي تؤدي إلى وقوع السرقات والتجاوزات المالية والإدارية داخل مؤسسات الدولة، وأن يعمل على معالجتها قبل أن تتحول إلى ظاهرة يصعب السيطرة عليها.كما ينبغي دراسة الأسباب التي أدت إلى اتساع دائرة الرشوة بين بعض المواطنين وبعض المؤسسات الحكومية، سواء كانت ناتجة عن تعقيد الإجراءات، أو ضعف الرقابة، أو غياب المحاسبة، أو سوء الإدارة، أو استغلال النفوذ. فمعرفة الأسباب تمثل الخطوة الأولى في طريق العلاج، لأن أي إصلاح لا يستند إلى تشخيص دقيق للمشكلة يبقى إصلاحًا ناقصًا.وتتطلب استعادة ثقة المواطن أيضًا تعزيز الشفافية في إدارة المال العام، وإعلان نتائج التحقيقات في قضايا الفساد بكل وضوح، وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء، لأن العدالة عندما تكون واضحة ومرئية تعيد للمواطن شعوره بأن الدولة تحمي حقوقه وتصون مصالحه.كما أن التحول الرقمي في تقديم الخدمات الحكومية يمثل أحد أهم الوسائل للحد من الفساد، لأنه يقلل من التدخل البشري المباشر، ويحد من فرص الابتزاز والرشوة، ويزيد من سرعة الإنجاز ودقة الإجراءات، ويجعل جميع العمليات قابلة للمراجعة والتدقيق.وفي المقابل، فإن المجتمع يتحمل جزءًا من المسؤولية من خلال نشر ثقافة النزاهة، وتشجيع الإبلاغ عن التجاوزات، ورفض التعامل مع الرشوة باعتبارها وسيلة لتسهيل المعاملات. فالدولة مهما امتلكت من قوانين وأجهزة رقابية لن تنجح وحدها إذا لم يكن المجتمع شريكًا حقيقيًا في حماية المال العام وترسيخ قيم الأمانة والمسؤولية.إن الدول التي نجحت في الحد من الفساد لم تحقق ذلك عبر العقوبات وحدها، بل من خلال بناء ثقافة مؤسسية قائمة على الشفافية والكفاءة والمساءلة، وجعل النزاهة جزءًا من الهوية الوطنية ومن معايير النجاح في العمل العام.لذا، فإن الفساد ليس خطرًا يهدد الحاضر فقط، بل هو تهديد مباشر لمستقبل الدولة وأجيالها القادمة. فهو يبدد الثروات، ويضعف المؤسسات، ويقوض الثقة، ويعرقل التنمية، ويؤثر في الأمن والاستقرار، ويقلل من فرص الاستثمار والنمو الاقتصادي. ولذلك فإن معركة مكافحة الفساد ليست خيارًا سياسيًا أو إداريًا، بل هي ضرورة وطنية لحماية الدولة وتعزيز مكانتها وترسيخ سيادة القانون. وكلما نجحت القيادة في ترسيخ مبادئ النزاهة والشفافية والمساءلة، ازدادت قوة الدولة، وتعززت ثقة المواطن، وأصبحت مسيرة البناء والتنمية أكثر رسوخًا واستدامة، لأن الأوطان لا تبنى بالموارد وحدها، وإنما تبنى أولًا بالإدارة النزيهة، والمؤسسات القوية، والإرادة الصادقة التي تجعل المصلحة العامة فوق كل اعتبار.

 

المشـاهدات 47   تاريخ الإضافـة 01/07/2026   رقم المحتوى 71821
أضف تقييـم