الزمكانية في رواية ( الصابونجية)
للروائي شوقي كريم حسن![]() |
| الزمكانية في رواية ( الصابونجية) للروائي شوقي كريم حسن |
|
فنارات |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب |
| النـص : اياد خضير تتكأ رواية ( الصابونجية ) للروائي شوقي كريم حسن على عنصرين هما الزمان والمكان، ( الصابونجية) هي محلة قديمة في بغداد قريبة من الشورجة حسب علمي، سميت بهذا الاسم لأنها مركز صناعة وبيع الصابون والغار وكذلك الزيوت أيام العثمانيين فالصابونجي هو صانع الصابون او التاجر الذي يتعامل في عملية البيع، الروائي شوقي كريم حسن دائماً يشتغل في مسروداته على الاماكن القديمة والشخصيات التي تشتهر بلقبها، مثل رواياته: هتلية/ سيبندية / هباشون/ وغيرها كرمز للذاكرة العراقية والتي بدأت تنقرض في حياتنا الحالية كون الصناعة أصبحت في معامل فاخرة واليات وكذلك استيراد وتصدير، الروائي ( شوقي كريم حسن) كتب العنوان للسخرية السوداء فالصابونجية عنده رمز للنظافة المزيفة، لان الصابون ينظف المظاهر، كونه بارع في السرد والوصف فهو يلعب على مفارقة غسل الاجساد وتنظيف الدواخل فهي رمزاً للطبقة الكادحة المهمشة من ذوي المهن اليدوية البسطاء الذين سحقتهم التحولات السياسية في العراق، لان السارد من الجنوب منطقة تعج في الفقراء والمساكين آنذاك جعلت منه متمرداً كونَ شخصيته من العدم، السؤال يطرح نفسه: اذا كانت مهنة الصابونجي تنظف وسخ جسد الناس من الذي ينظف وسخ السياسة ؟! والحروب والانقلابات؟! ( أن أهم ما يتصل بالتقنيات السردية المعاصرة تلك التي تنجم عما يسميه جينيت باللواحق، كالارتداد والاسترجاع والاستذكار فهذه اللواحق في حقيقة الأمر تسهم في طي المسافات واختصار الأزمنة وملء الفجوات الناجمة عن عمل الكاتب، وفي الوقت نفسه تسهم في دفع السأم والملل عن القارئ وتكسب العمل الروائي حيوية وتجدداً ) *1
بدأت الرواية بمقولة [حكيم سومري] [الحقيقة لا تموت حين تُخفى؛ بل يموت معها تمييز الناس بين الوجه والقناع.] رواية ( الصابونجية) تحكي عن مهمة الصابونجي، التي كانت من المهن الشعبية القديمة تحكي عن عالم النساء في حمام السوق، مكان غسل الاجساد والتطهير، السارد شوقي كريم حسن اتخذها رمزاً مقابلاً للوسخ السياسي والاجتماعي وهي شاهدة على اسرار الناس، فضائحهم، حكاياتهم، وقهرهم، ما معناه الحمام يطهر الجسد لكن الاشخاص يخرجون من الحمام بنفس الاوجاع والقهر، هنا الازدواجية بين الطهر والنقاء الداخلي .. (قوّادةٌ فاضلة، سليلةُ قوّاداتِ أزمنةِ الصابونجية ومحلةِ الذهب وكوكنزر، تمشي وفي يدها إرثٌ من الهمسِ الثقيل، تُتقنُ تحويلَ الحكاياتِ الصغيرة إلى مصائرَ لا رجعةَ فيها.) ص1 الرواية ارشيف لثقافة شعبية مهددة بالضياع، سلطة المرأة المهمشة الصابونجية ترمز الى امرأة بسيطة من الطبقات الدنيا الا ان لها سلطة المعرفة، تعرف اسرار الاغنياء والوجهاء لانهم يصيرون عرايا امامها حرفياً ورمزياً، من خلال زبونات الحمام تتعرف على شرائح المجتمع العراقي مباشرة فالماء والصابون كرمز .. الماء ـــ التطهير، الصابون ـــ محاولة بائسة لمسح العار والذنب، لكن الوسخ الخفي لا ينغسل، السارد شوقي كريم حسن يجعل البطلة من طبقة مهمشة، فقيرة يجعلها تروي أي تكون الشاهد على تاريخ المدينة، عندما يغسل الاشخاص أجسادهم يخرجون بنفس الامراض، قهر، طبقية، نفاق، الصابون صار رمزاً للعبثية نغسل ونوسخ، نغسل ونوسخ.. (طرح عليها الباشا أن تكون مسؤولة الخزانة برفقة ساسون حسقيل ،فصاحت بوجهه محتجه -.باشا كرسي القوادة أحسن الف مره من كرسي القيادة… مالي وحكومتكم ودولتي أعظم وأرق…أبحث عن غيري عله يرضى؟!!) ص5
الروائي لم يجعل بطل الرواية والي او شخصية مرموقة ( باشا) وإنما يجعل البطل امرأة تشتغل بيدها حتى تنظر الى السلطة وهي عارية مثل الاميرة والجارية، تكون ارشيف لأسرار المدينة، الروائي شوقي كريم حسن يقلب الهرم، ويضع المعرفة بيد الحمام وليس بيد القصر.. الرمزية عالية في الرواية فالماء: حياة لكن فناء، بغداد تذوب مثل الصابون بين الايدي، والصابون جعله محاولة تجميل القبح، ينتهي بسرعة والوسخ يتجدد هنا يكون واضحاً لدى المتلقي، الطين، أصل الصابون وأصل الانسان مهما تغتسل، هو رد على اوهام الانسان الجديد، يتبادر الى الاذهان السؤال: من هو الصابونجي في هذا الوكت؟! ومن هو الذي يجرأ على غسل وسخ السلطة؟! ذاكراً السياسيين أمثال نوري سعيد وصالح جبر الاثنين لهم صور سلبية في تاريخ الذاكرة الشعبية العراقية، في فترة الملكية نوري سعيد كرمز للتبعية الانكليزية والاستبداد للشعب فكان قامعاً للمتظاهرين وكان الشعب يكرهه .. ( الباشا نوري السعيد، بوجهه المتغضّن وشاربه الممشّط بعناية، و فطومة صمنجي، سيّدة الفجور ذات السطوة واللسان ومعانيها المثيرة للقبول، و زوجها، داود اللمبجي، رجلٌ يتقن فنون التسلّط الناعم، يخفي تحت قيافته الأنيقة ذئبًا بارعًا في اقتناص الفرص ــ خمسون ألف دينار ذهبي، يجب ان أسدد الدين خلال أسبوع…!! ضحكت فطومة، لا سخريةً، بل دهشة: ــ أتعلم، باشا، كم جسدًا يجب أن يُباع لتُجمَع مثل هذه الدنانير.. وكم روح تلهث، وكم انثى تشعر بالضيم؟!! ) ص51 ( فطومة ) طلبت منه ترخيصاً لحانة في شارع الرشيد مع السكوت الرسمي عن حركة الفتيات وحراسة من قبل الشرطة .
( تنهّد نوري السعيد، قائلاً، كمن يوقّع على صكِّ سقوطٍ أخلاقيّ:ــ لكم ما تريدون!) ص52 اما صالح جبر رئيس وزراء حاول تجديد معاهدة ( بورتسموث) مع بريطانيا، أرتبط أسمه بالخيانة الوطنية للإنكليز، لم يبق في الحكم سوى اربعة سنين فقط . طافت بي الذكرى الى سبعينيات القرن الماضي دخلت الى مسرح بغداد، الفرع بجانب سينما النصر شارع السعدون لمشاهدة مسرحية ( الشريعة ) بطولة يوسف العاني / سامي عبد الحميد واخرون، من تأليف قاسم محمد، ظهر ممثل سكران يترنح على خشبة المسرح صائحاً ( تسقط معاهدة بورتسموث ). يرد عليه أحد الممثلين ( الا بميخانة حَبي ) . كنت صبيا آنذاك نردد ( نوري سعيد شدة ورد ــ صالح جبر ريحانه ) وعندما انكشفت اعمالهم الدنيئة قمنا نردد ( نوري سعيد القندره ـــ صالح جبر قيطانه ) هذا هو حال نوري سعيد قتل ونسحل بالحبال.. فكانت رواية ( الصابونجية) تغسل جسد الوزير والباشا فقط ولا تغسل تاريخه الوسخ، هؤلاء الذين كانوا عرايا امام الصابونجية مثل أي امرأة فقيرة تنتهي بسلطتهم لكن وسخ الظلم يبقى في الذاكرة .. هكذا كان السارد شوقي كريم حسن حتى يفضحهم للأجيال القادمة لانهم شخصيات غير مرغوب فيها.. رواية الصابونجية زمنها في بغداد العثمانية، ومكانها في حمامات السوق ومعامل الصابون، فالزمان ليس خلفية تاريخية جامدة، بل هو ( زمن عتبة ) لحظة انتقال بين تقليد راسخ وحداثة قادمة، والمكان ليس مجرد حمام بل هو فضاء حدودي بين العلن والخفاء بين الجسد المغطى والجسد العاري، بين طهارة الماء ونجاسة السلطة، من خلال هذا التقاطع الزمكاني أشتغل الروائي شوقي كريم حسن فكرته المركزية، فهي ليس صابوناً ومعاملاً وقوانين تظهر للسطح فقط، تغسل الصابونجية أجساد الناس كل يوم، لكن وسخ الظلم الطبقي، ورائحة الفساد السياسي، كبقع الذاكرة الجمعية تبقى لاصقة على الجدران، السارد يغسل تاريخ مدينته، لكن يكتشف ان بعض الاوساخ لا يذوب بالماء .. ما معناه التطهير مستحيل يغسل الجسد لكن لا يغسل التاريخ، المجتمع باقي بفساده وظلمه الطبقي.. الصابونجية تغسل اوساخ الناس لكن من الذي يغسل وسخ السلطة ؟! كانوا يتحدثون باسم الدين وينتهكون الحرمات واغتصاب الفتيات التي تجلب من قبل بنات الهوى مقابل دولات فضحهم السارد شوقي كريم حسن في روايته هذه شاهداً على اعمالهم الدنيئة.. ( تروي سُهيل كيف أُجبرت على تسليم فتاة ما تجاوزت العاشرة إلى رئيس كتلة يتحدث بالإيمان والتقوى وصيانة الأعراض والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مقابل حقيبة دولارات، لم تك البنت تدرك ما الذي تعنيه أن تكون هدية، ظنت أنّ الأمر يشبه الأعياد، حين تحمل شيئًا جميلاً تقدّمه مبتسمة ) ص19
أخيرا شوقي كريم حسن معروف بنقده للسلطة وتاريخ الانظمة العراقية، روايته الصابونجية هي ذاكرة شعبية، ذاكرة شخصيات حرفيين بسطاء مهمشين، بلغة سردية تمزج بين الواقعي والخيالي، رحلة في الذاكرة العراقية، حكايات تحمل في طياتها الدهشة، والاسئلة التي تبقى تجول في ذاكرة القارئ والتي تحمل وجع الانسان في عالم يعج في المظاهر، الانسان الذي يحمل الحب والفقد أيام زمان يوم كانت المعيشة في الازمنة القديمة ذات رائحة لن نجدها في هذا الوقت.. السارد يحاول في روايته، أن يغسل ذاكرة المجتمع من الوسخ المتراكم، الصابونجية تشاهد الجسد العاري للسلطة لذلك هي أخطر من الجاسوس، التاريخ يكتب من الحمامات وليس من القصور.. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ *1 تقنية السرد وعناصر السرد / د. أحمد علي محمد . |
| المشـاهدات 59 تاريخ الإضافـة 01/07/2026 رقم المحتوى 71832 |
أخبار مشـابهة![]() |
خبير: إنتاج الكهرباء لا يسد نصف الطلب وزيارة واشنطن تستهدف إضافة 25 ألف ميغاواط
العراق يوقع مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة في مجال الطاقة |
![]() |
رغم تراجعها بنحو 50%
العراق يحل في قائمة أكبر مستوردي الحيوانات الحية عالمياً |
![]() |
رسائل اجتماعية في أراني أعصر حبرا للقاص عبد الله الميالي |
![]() |
جلسات قرائية لمناقشة كتب صادرة عن “إصدارات” وكلمة” للترجمة، في في أبوظبي
|
![]() |
جلسة حوارية تحت عنوان «الإماراتيون في البوكر»، بمكتبة محمد بن راشد
|
توقيـت بغداد









