الأحد 2026/7/5 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 33.84 مئويـة
نيوز بار
ابيض /اسود الزيدي.. بلا مفاتيح!!
ابيض /اسود الزيدي.. بلا مفاتيح!!
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب مازن صاحب
النـص :

 

 

ليست المشكلة في من يحمل "مفاتيح السلطة" في عراق اليوم، بل من يختار الأبواب التي تُفتح، وتلك التي تبقى مغلقة. فموقع رئيس مجلس الوزراء، مهما اتسعت صلاحياته الدستورية، لا يكف وحده لصناعة القرار في ظل تشابك مراكز النفوذ، وتداخل الدولة الرسمية مع "أشباح" ما يُوصف بالدولة العميقة والدولة الموازية، حيث ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾.  والجلوس على (كرسي الحلاق) لا يعني بالضرورة امتلاك السلطة، كما أن حمل المفاتيح لا يعني القدرة على استخدامها بحرية.

لعل صولة دبابات الزيدي، فجر الأحد، في عملية القبض على متهمين بالفساد، تقدم مثالًا واضحًا... .في رسائل سياسية وأمنية ، غير أن السؤال الأهم : كم عملية أخرى، بالنموذج ذاته، يستطيع الزيدي تنفيذها من دون أن يصطدم بالبنية السياسية التي أنتجت مفاسد المحاصصة ورسختها طوال أكثر من عقدين؟

وفق هذا المنظور.. يخطئ من يظن أن أي رئيس لمجلس الوزراء العراقي، منذ عام 2003 وحتى اليوم، امتلك مفاتيح قيادة الدولة أو الجهاز الحكومي بصورة مطلقة. والأكثر إثارة للانتباه أن كل من يتولى هذا المنصب يجد من يسارع إلى التهليل والتصفيق والترويج له، حتى تتحول بعض المنابر الإعلامية إلى ساحات لإعادة إنتاج الصورة ذاتها مع كل حكومة  إلى أخرى..  وكأن المشكلة كانت دائمًا في الشخوص ، لا في بنية النظام السياسي وآليات عمله.

أكرر السؤال..لماذا لا يمتلك الزيدي، أو غيره، مفاتيح القيادة؟ ولماذا يتكرر هذا المشهد الإعلامي الذي بات أقرب إلى وصف التفاهة.. مع كل تغيير حكومي؟

تبدو الاجابة ممكنة في الاتي :

أولًا: لم يكن اختيار الزيدي استحقاقًا بنيويًا داخل العملية السياسية بقدر ما جاء مخرجًا لأزمة انسداد سياسي فرضتها توازنات داخلية وإقليمية ودولية معقدة. وفي هذا السياق، جاءت مواقف خارجية، من بينها موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من ترشيح نوري المالكي، لتضيف عاملًا آخر إلى معادلة التوافق.

بناءً على ذلك، يعمل رئيس مجلس الوزراء  ضمن شبكة من التوافقات التي ترسم حدود القرار ، أكثر مما تمنحه حرية  تطبيق حتى تلك السياسات التي وضعت في منهاج حكومته منفردًا.!!.

لذلك تصويره بوصفه صاحب القرار المطلق يتجاهل طبيعة النظام السياسي القائم، كما أن إعادة تسويق منظومة المحاصصة بعناوين جديدة لا تغير من جوهرها شيئًا، مهما تبدلت الوجوه.

دلالة ذلك  توالي الزيارات الإقليمية والدولية إلى بغداد، ومنها زيارة عباس عراقجي، ثم رئيس جهاز المخابرات التركي، والأمين العام لمجلس التعاون الخليجي،  ومن قبلهم توم باراك المبعوث الرئاسي الأمريكي.

كل ذلك يعكس حجم تشابك المصالح المحيطة بالعراق، ويؤكد أن القرار العراقي ما زال يتحرك داخل بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد.

ثانيًا:  يكمن الخلل الحقيقي  في عدم الالتزام الكامل بالنصوص الدستورية الخاصة بالحقوق والواجبات،  استمرار نظام المحاصصة الذي أنتج منظومة واسعة من الفساد والإخفاق الإداري والسياسي، من دون رؤية وطنية تستوعب حقوق الأجيال المقبلة... حتى بات تداول هدر تريلوني دولار مجرد رقم.. مسكوت عنه في طاولات مفاسد المحاصصة!!

مع ذلك، ما زالت نماذج من الخطاب السياسي والإعلامي تدافع عن هذا الواقع، وتعيد إنتاجه بمسميات مقدسة في واقع مدنس ، في حين تغيب الأسئلة الجوهرية: لماذا عزفت الأغلبية الصامتة عن المشاركة في الانتخابات السابقة؟ ولماذا يتراجع الإيمان بإمكانية الإصلاح من داخل المنظومة نفسها؟

لقد أصبح الدفاع عن استمرار بعض مظاهر السلاح خارج إطار الدولة، أو القبول بتسويات مع متهمين بالفساد، يُقدَّم أحيانًا بوصفه خيارًا سياسيًا واقعيًا، رغم ما يثيره ذلك من أسئلة دستورية ووطنية تتعلق بمفهوم الدولة وسيادة القانون.

ثالثًا: سبق أن أشرت في مقالات سابقة إلى أن الولايات المتحدة، وإيران، وتركيا، ودول الخليج العربي، تنظر إلى العراق من زاوية مصالحها الاستراتيجية أولًا، وليس من زاوية إصلاح نظام المحاصصة أو إنهاء الفساد. ولهذا، فإن الإعلان بين حين وآخر عن ضبط أموال مكدسة أو ممتلكات تعود إلى متهمين بالفساد قد يهدئ غضب الشارع مؤقتًا، لكنه لا يعالج أصل المشكلة ما دامت البنية التي أنتجت الفساد ما تزال قائمة. يتطابق مع قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.

 السؤال: كيف يمكن تحقيق هذا التغيير في ظل أجندات حزبية متعارضة، تفتقر إلى مشروع وطني جامع يقوم على مبدأ "عراق واحد... وطن الجميع"؟

رابعًا: من أكبر الأخطاء السياسية والإعلامية تحميل رئيس مجلس الوزراء، أيًّا كان اسمه، مسؤولية امتلاك الحلول النهائية لتحقيق العدالة والإنصاف في توزيع الثروة الوطنية، بينما تستمر المنظومة التي تنتج الأزمات ذاتها.

فقد سبق أن رُفعت شعارات كبيرة مع حكومات سابقة، قبل أن تتحول لاحقًا إلى هدف لاتهامات الفساد، وبعض تلك الاتهامات صدر من القوى أو المنابر التي كانت تمدحها بالأمس. ، ليس مستبعدًا أن تواجه حكومة الزيدي، بعد انتهاء ولايتها الدستورية، الخطاب ذاته الذي واجهته الحكومات السابقة، إذا بقيت قواعد اللعبة السياسية على حالها... هل تتغير الحكومات، أم تتغير فقط الروايات التي تُروى عنها؟

ليست أزمة العراق أزمات شخوص من يجلس على كرسي رئاسة مجلس الوزراء، بل أزمة بنية سياسية تجعل المنصب مسؤولية أكبر من سلطته، وتبقي مفاتيح القرار موزعة بين مراكز نفوذ متعددة.

لهذا، فإن السيد الزيدي، كما سبقه من رؤساء الحكومات، لا يمتلك مفاتيح السلطة المطلقة، لأن تلك المفاتيح لم تكن يومًا بيد شخص واحد، بل ما تزال موزعة داخل منظومة سياسية لم تحسم، حتى اليوم، سؤال الدولة قبل سؤال الحكومة... ولله في خلقه شؤون.!!!

المشـاهدات 31   تاريخ الإضافـة 05/07/2026   رقم المحتوى 71950
أضف تقييـم