| النـص : الترويض المقنن كيف تُصادر حياة المرأة العراقية باسم العادات أحياناً وباسم القانون أحياناً أخرى ، لا تولد المرأة العراقية حرة كما يفترض أن يكون كل إنسان .فمنذ لحظة ولادتها يبدأ تشكيل حياتها وفق خرائط رسمها الآخرون مسبقاً. تُمنح اسماً ، ثم تُمنح قائمة طويلة من الممنوعات ، يكبر جسدها بينما تضيق المساحة المسموح لها أن تكون فيها نفسها .تتعلم مبكراً أن هناك أسئلة لا يجوز طرحها، وأحلاماً لا يجوز التمسك بها ، ورغبات يجب دفنها بصمت ، تُربى على أن الطاعة فضيلة ، وأن الاعتراض وقاحة ، وأن التضحية قدر لا مهرب منه ، في طفولتها تخضع لسلطة الأسرة ، وفي شبابها تخضع لسلطة المجتمع ، وفي زواجها تخضع لسلطة الزوج ، وفي أمومتها تخضع لاحتياجات الأبناء .حتى يصبح عمرها كله سلسلة متصلة من الواجبات التي لا تنتهي ، والمثير للسخرية أن الجميع يطالبها بأن تكون قوية ، لكن ليس بالقدر الذي يسمح لها برفض الظلم ، ويطالبها بأن تكون عاقلة ، لكن ليس بالقدر الذي يجعلها تناقش القرارات المفروضة عليها ، ويطالبها بأن تكون شريكة ، لكن ليس بالقدر الذي يجعل رأيها مساوياً لرأي الرجل .في العراق ، لا تُقاس المرأة غالباً بما تحمله من علم أو خبرة أو إنجاز ، بل بمدى قدرتها على الامتثال لما يريده الآخرون منها ، فإذا أطاعت قيل إنها امرأة صالحة ، وإذا اعترضت قيل إنها متمردة ، وإذا دافعت عن حقها قيل إنها تجاوزت حدودها ، وإذا طالبت بحريتها اتُّهمت بأنها تهدد الأسرة والمجتمع .وكأن المشكلة ليست في الظلم الواقع عليها ، بل في رفضها لهذا الظلم ، والأكثر خطورة أن بعض أشكال الوصاية على المرأة لا تُمارس فقط من خلال الأعراف الاجتماعية ، بل تجد أحياناً جذورها في نصوص قانونية أو في تفسيرات قانونية واجتماعية تُبقي المرأة في موقع الطرف الأضعف .فعلى الرغم من أن الدستور العراقي أكد في المادة (14) أن العراقيين متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس ، وأكد في المادة (20) حق المواطنين رجالاً ونساءً في المشاركة في الشؤون العامة ، إلا أن المرأة ما زالت تخوض معارك يومية لإثبات حقها في اتخاذ قرارات تخص حياتها الشخصية والمهنية والاجتماعية .إن التناقض الحقيقي لا يكمن في النصوص الدستورية وحدها ، بل في المسافة الهائلة بين ما تقوله القوانين وما يعيشه الناس على أرض الواقع.فما قيمة المساواة إذا كانت المرأة تخشى التعبير عن رأيها ، وما قيمة الحقوق إذا كانت ممارستها قد تكلفها نبذ المجتمع ، وما قيمة الحماية القانونية إذا كانت الضحية مطالبة أولاً بإثبات أنها تستحق الحماية .لقد اعتاد المجتمع أن يسأل المرأة عن واجباتها ، لكنه نادراً ما يسأل عن حقوقها ، اعتاد أن يراقب تصرفاتها ، لكنه لا يراقب حجم القيود المفروضة عليها ، اعتاد أن يحاسبها على أخطائها ، لكنه يتجاهل الظلم الذي تتعرض له .وهكذا تمضي سنوات طويلة من عمر المرأة وهي تؤدي أدواراً كتبها الآخرون ، وتنفذ قرارات اتخذها الآخرون ، وتعيش حياة صُممت وفق توقعات الآخرين ، وحين تصل إلى منتصف العمر أو نهايته، تكتشف أحياناً أنها كانت حاضرة في حياة الجميع ، لكنها كانت غائبة عن حياتها هي .إن قضية المرأة ليست حرباً ضد الرجل ، وليست تمرداً على الأسرة ، وليست رفضاً للقيم ، إنها ببساطة مطالبة بأن تُعامل كإنسان كامل الأهلية ، كامل الكرامة ، كامل الحق في الاختيار ، فالمرأة ليست مشروعاً للترويض ، وليست صوتاً يجب خفضها ، وليست حلماً يجب تأجيله ،وليست حياةً يحق للآخرين إدارتها نيابة عنها .هي إنسان ، وكل مجتمع يعتاد أن يطلب من نسائه الطاعة أكثر مما يطلب لهن العدالة ، إنما يصنع أجيالاً من النساء اللاتي يعشن العمر كله وهن يتساءلن في صمت ، لو مُنحتُ حق الاختيار منذ البداية ، فمن كنت سأكون.
|