السبت 2026/7/11 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 32.39 مئويـة
نيوز بار
المال والشهرة :بين صنع الإنجاز وزيف الاستحقاف
المال والشهرة :بين صنع الإنجاز وزيف الاستحقاف
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب د. حسين الانصاري
النـص :

 

 

 

في العراق اليوم، ومع اشتداد المواجهة مع الفاسدين، لم يعد الحديث عن المال والشهرة مجرد نقاش نظري، بل صار قضية تمس حياة الناس ومستقبل الدولة ،فحين يختلط النفوذ بالمال، وتتحول الشهرة الى وسيلة للتضليل او التغطية على الفساد، يصبح السؤال اكثر عمقا ،هل المال يصنع الشهرة، ام ان الشهرة قد تتحول الى غطاء للمال الفاسد؟ والاهم من ذلك كله اي مال واي شهرة يخدمان الاصلاح، وايهما يرسخان الفساد؟

لا شك ان المال يمتلك قدرة كبيرة على صناعة الحضور، سواء عبر الاعلام او المنصات الرقمية او شبكات النفوذ والعلاقات ،فقد يظهر شخص مجهول في وقت قصير بوصفه مؤثرا او ناجحا او صاحب مكانة، بينما الحقيقة قد تكون ابعد من ذلك بكثير ،فبعض الشهرة لا تقوم على الانجاز، بل على الانفاق، ولا تستند الى قيمة حقيقية، بل الى قدرة على شراء الواجهة وتلميع الصورة وما ان تنكشف الحقائق حتى يتراجع هذا البريق، لان ما بني على الزيف لا يصمد امام اختبار الزمن

وفي المقابل هناك شهرة اخرى لا تشترى ولا تفرض بالقوة، بل تكتسب عبر العمل الصادق والجهد المستمر وخدمة الناس ،هذه هي الشهرة التي تصنعها المواقف النزيهة، والانجازات الحقيقية، والاخلاص في خدمة المجتمع ،في العراق حيث يتطلع الناس الى دولة عادلة ومؤسسات قوية، تصبح قيمة الانسان بما يقدمه لا بما يملكه فقطً فالعالم الذي يضيف معرفة، والطبيب الذي ينقذ حياة، والمعلم الذي يبني وعيا، ورجل الاعمال الذي يخلق فرصا حقيقية، جميعهم يصنعون شهرة من نوع مختلف، شهرة تبقى لانها مرتبطة بالنفع العام لا بالمصلحة الخاصة

وهنا تتضح خطورة المال حين ينفصل عن المسؤولية فالمال في ذاته ليس شرا لكنه يصبح اداة خطيرة اذا استخدم لشراء الذمم، او تضليل الراي العام، او صناعة نفوذ غير مشروع، او حماية الفاسدين من المحاسبة ،وفي المقابل يتحول المال الى قوة اصلاح حقيقية عندما يوجه نحو التعليم، والصحة، والبنية التحتية، ودعم الشباب، وتمكين المشاريع المنتجة، وبناء مؤسسات تخدم المواطن لا المتنفذين عندها فقط يصبح المال وسيلة للنهضة لا اداة للهيمنة

اما الشهرة، فهي في زمننا هذا سلاح ذو حدين فقد تمنح صاحبها تاثيرا واسعا، لكنها قد تكشف ايضا ضعفه اذا كانت قائمة على المبالغة او الخداع او استعراض الثراء وفي المجتمعات التي تعاني من الفساد، كثيرا ما يحاول بعض الفاسدين الاحتماء بالشهرة، فيظهرون بمظهر المصلحين او الداعمين للناس، بينما حقيقتهم تناقض ما يعلنونه لكن الوعي الشعبي، حين يتنامى  يصبح قادرا على فرز الصادق من المزيف، والنافع من الضار، والمصلح من المفسد ،وقد افرزت التحولات الحديثة ظاهرة خطيرة تتمثل في السعي الى الشهرة بأي ثمن فبعضهم لم يعد يبحث عن الانجاز، بل عن الظهور، ولم يعد يهتم ببناء قيمة حقيقية، بل بعدد المتابعين والمشاهدات والضجيج وفي بيئة تعاني من الفساد، قد تتحول الشهرة الى وسيلة لتبييض السمعة او التغطية على الاخطاء او تسويق الوهم للناس غير ان الحقيقة تبقى اقوى من كل ذلك، لان ما لا يقوم على الصدق سرعان ما ينكشف، وما لا يخدم الناس يسقط مهما طال بقاؤه

وفي العراق اليوم، حيث تتصاعد المطالب بالاصلاح ومحاسبة الفاسدين، تبرز الحاجة الى معيار واضح للحكم على المال والشهرةً فليس كل غني ناجحا، وليس كل مشهور مؤثرا، وليس كل من يملك المنصة يملك الحقيقة النجاح الحقيقي هو ان يتحول المال الى خدمة عامة، وان تتحول الشهرة الى مسؤولية اخلاقية، وان يصبح النفوذ وسيلة لحماية المجتمع لا لاستنزافه فالمجتمع الذي يكرم من يبني ويصلح، ويحاسب من يفسد ويخدع، هو المجتمع القادر على النهوض

ان اخطر ما في الشهرة الزائفة انها قد تمنح صاحبها حصانة مؤقتة، لكنها لا تمنحه الاحترام والاحترام هو الثروة الحقيقية التي لا تشترى فالمال يمكن ان يشتري الاعلان، لكنه لا يشتري الثقة ويمكن ان يصنع ضجيجا، لكنه لا يصنع تاريخا ويمكن ان يرفع اسما الى الواجهة، لكنه لا يضمن له البقاء اذا كان ذلك الاسم مرتبطا بالفساد او الاستغلال او الكذب

ومن هنا، فان المسؤولية الاخلاقية تزداد كلما اتسعت الامكانات المالية او الاعلامية فصاحب المال في مجتمع يواجه الفساد مطالب بان يكون جزءا من الحل لا جزءا من المشكلة وصاحب الشهرة مطالب بان يستخدم تاثيره في توعية الناس لا في تضليلهم، وفي دعم الاصلاح لا في تزيين الفساد فالقيمة الحقيقية لا تقاس بما يملكه الانسان، بل بما يتركه من اثر نافع في حياة الاخرين

ان المجتمعات لا تتذكر حجم الثروات بقدر ما تتذكر اثر اصحابهاً فكم من ثري انتهى ذكره بانتهاء مصلحته، وكم من انسان بسيط بقي اسمه حيا لان ماله او جهده او صوته وقف مع الحق ، وبين هذين النموذجين تتحدد العلاقة بين المال والشهرة: فاما ان يكون المال وسيلة لبناء صورة زائفة تخدم الفساد، واما ان يكون اداة لصناعة اثر حقيقي يخدم الاصلاح ويعزز الثقة بالوطن.

المشـاهدات 32   تاريخ الإضافـة 11/07/2026   رقم المحتوى 72099
أضف تقييـم