الأحد 2026/7/12 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 32.85 مئويـة
نيوز بار
غبارُ الحبِّ: جدليةُ الحضورِ والغيابِ: *قراءةٌ نقديّةٌ تحليليةٌ لنص" غبار الحبّ" للشاعر" أمين جياد"
غبارُ الحبِّ: جدليةُ الحضورِ والغيابِ: *قراءةٌ نقديّةٌ تحليليةٌ لنص" غبار الحبّ" للشاعر" أمين جياد"
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

د. ليلى صليبي

لبنان

يأتي نصّ «غبار الحب» للأديبِ " أمين جياد" باعتبارِه شذراتَ شعريّةً متتابعةً تتكئُ على التكثيفِ والإيحاءِ أكثرَ من اعتمادِها السردَ الخطيَّ أو البناءَ الشعريَّ التقليدي. فهو نصٌّ ينهضُ على تدفّقٍ وجدانيٍّ متشظٍّ، تتجاورُ فيه الصورُ والرؤى والانفعالاتُ لتشكّلَ لوحةً عشقيةً تتأرجحُ بين التوهّجِ والانكسارِ، وبين الرّغبةِ والفقدِ.

يفتتحُ الشاعرُ نصّّه بصورٍ كونيّةٍ ذاتِ طابعٍ احتفاليٍّ، إذ يربطُ المحبوبةَ بعناصرِ الوجودِ الكبرى: الترابُ المقدسُ، والماءُ السلسبيلُ، وزلزلةُ الجبلِ، وجلجلةُ الفؤادِ. هذا التراكمُ الصوري يمنحُ التجربةَ العاطفيةَ بعدًا أسطوريًّا، ويجعلُ الحبَّ قوّةً وجوديةً تتجاوزُ حدود العلاقة الفردية إلى فضاءٍ كونيٍّ رحبٍ. وتتجلّى هنا نزعةُ الشاعرِ إلى تضخيمِ التجربةِ الوجدانيةِ وإحاطتِها بهالةٍ من القداسةِ والانفعالِ الجارفِ.

وفي المقطعِ الثاني والثالثِ تتحوّلُ اللغةُ إلى ساحةِ اشتعالٍ؛ فالحروفُ لا تُكتبُ بل «تشوي الأوراقَ»، وتتطايرُ كشررٍ فوقَ القممِ. إنَّ الكتابةَ هنا ليستْ أداةَ تعبيرٍ فحسب، بل فعلُ احتراقٍ داخليٍّ، تتماهى فيه اللغةُ مع العاطفةِ حتى يصبحَ الصوتُ نفسُه وقودًا لهذا الاحتراقِ. ومن خلالِ هذا التصويرِ يمنحُ الشاعرُ للكلمةِ طاقةً حسيّةً ونفسيّةً عاليةً، تجعلُها شريكًا في التجربةِ لا مجرّدَ ناقلٍ لها.

أمّا المقطعُ الرابعُ فيحملُ رؤيةً ميتاشعريةً للكتابةِ، حين يصفُها بأنّها «نهرٌ جارٍ وخؤون». إنّها صورةٌ لافتةٌ تكشفُ وعي الشاعرِ بمراوغةِ اللغةِ وعجزِها أحيانًا عن احتواءِ التجربةِ كاملةً. فالكتابةُ تواصلُ جريانَها، لكنّها في الوقتِ نفسِه قد تخذلُ صاحبَها، فتسحبُ الحرفَ من يدِه قبلَ أن يكتملَ البوحُ.

ويبلغُ النصُّ ذروتَه الشعوريةَ في المقطعِ الخامسِ، حيثُ يمتزجُ الحلمُ بالفقدِ. فالمشهدُ يبدأُ بقربٍ حميميٍّ تتجسّدُ  فيه الغيومُ والقلوبُ والأجراسُ، ثمَّ ينتهي بفعلِ الافتراقِ بعد كتابةِ عبارةِ الحبِّ على الرملِ. والرملُ هنا رمزٌ بالغُ الدلالةِ؛ فهو يحملُ معنى الزوالِ والهشاشةِ، وكأنَّ الحبَّ منذُ لحظةِ الإعلانِ عنه كانَ محكومًا بالفناءِ.

ومن بعدِ ذلك يتسلّلُ الغيابُ إلى بنيّةِ النصِّ، فتغدو آثارُ الراحلِ أكثرَ حضورًا من حضورِه نفسِه، ويتحوّلُ الاسمُ إلى مسافةٍ بعيدةٍ، بينما تتلوّى النداءاتُ في صورةِ أفعى مؤلمةٍ، بما تحملُه من إيحاءاتِ القلقِ والسُمِّ والافتراسِ النفسي. وهنا ينجحُ الأديبُ في تجسيدِ تحوّلِ العشقِ من حالةِ وصلٍ إلى حالةِ مطاردةٍ داخليّةٍ لا تنتهي.

 أمَّا الخاتمةُ فتقومُ على مفارقةٍ وجدانيةٍ بارعةٍ؛ فالكراهيةُ تصبحُ شكلاً من أشكالِ التذكّرِ، والنفي يتحوّلُ إلى إثباتٍ. يقولُ: «أنا أكرهُكِ  حتى أنّي لا أنساكِ»، فتجيبُه: «ولا أحبُّكَ حتى أنّي أريدُكَ». في هذا التناقضِ الظاهري تتجلّى حقيقةُ العاطفةِ الإنسانيةِ المعقدةِ، حيثُ يتجاورُ الرفضُ والرغبةُ، والإنكارُ والتعلّقُ، في بنيةٍ نفسيّةٍ واحدةٍ.

لغويًّا، يتميّزُ النصُّ بكثافةِ الصورةِ الشعريةِ وغلبةِ النزعةِ الرمزيةِ، كما يعتمدُ على التوترِ الدّائمِ بين المحسوسِ والمجردِ، وبين الجسدِ واللغةِ، وبين الحضورِ والغيابِ. وقد نجحَ الدّكتور " أمين جياد" في بناءِ نصٍّ مفتوحٍ على التأويلِ، تتداخلُ فيه الرؤيا العاطفيةُ مع التأمّلِ الوجودي، ليغدوَ «غبارُ الحبِّ» أكثرَ من تجربةِ عشقٍ؛ إنّه تأمّلٌ في أثرِ الحبِّ حين يتحوّلُ من حضورٍ مكتملٍ إلى ذكرى لا تكفُّ عن الاشتعالِ.

يمكنكِ أن تختمي القراءة بهذه الصياغة:

ختاماً، لا يسعني إلاّ أن أتوجّهَ بالشكرِ إلى الكاتبِ" الدكتور أمين جياد" على هذا النصِّ الثري بالدلالاتِ والصورِ والرؤى، والذي أتاحَ للقارئِ مساحةً واسعةً للتأمّلِ والتأويلِ. لقد استطاعَ في «غبار الحبِّ» أن يحوّلَ التجربةَ الوجدانيةَ إلى فضاءٍ شعريٍّ نابضٍ بالحضورِ والغيابِ، وأن ينسجَ من اللغةِ عالمًا تتجاورُ فيه الرقةُ والوجعُ، والبوحُ والصمتُ.

فله منّي خالصُ التقديرِ، مع أطيبِ الأمنياتِ بدوامِ الإبداعِ والتّألّقِ.

*(النص) *

غبارُ الحُب

"""""""""أمين جياد

1

ترابنُا المقدَّسُ ، وماؤنا السلسبيلُ ، شهقةُ اللقاءِ وزلزلةُ الجبل ، فحيحُ الجسد  ،

 وجلجلةُ الفؤاد ..أُحبُّك ِ بلا مَسَد .

2

حرفُكِ يَشوي أوراقي  ، بغبار ٍ ، وظلٍّ أَمين ..

3

تتصادمُ الحروفُ فوق قممي كالشَّرر ،ِ لتعلن صيحة َالوجودِ والتوَّحدِ , فيحترقُ الصوت .

4

الكتابةُ نهرٌ جارٍ وخؤون ٌ، ، فلا تتوقَّف عندَ الزوايا ، وتسحب الحرف !!

5

حين َ دَنَوتُ إليكِ ,رأيتُ الغيمَ قلبي ,يذوبُ على كفِّكِ , وسمعتُ أجراسَ غاباتِك ِ,جَلجَلةً على وجَعَي، ومَسكتُ يديكِ لنكتبَ على الرَّملِ -أنا أُحبُّكِ - وأفتَرَقنا !

6

لقد سَبَقها بالرَّحيل  ، وتَركَ الأثَرَ وراءه .

7

أُسمُكِ صارَ بعيداً ، ومناداتي تتلوَّى في ناصيتي  أفعى .

8

قلت:  أنا اكرهُكِ ... حتَّى أني لا أنساكِ !

قالت: ولا أُحبُّك ...حتَّى أني اريدك ! .

المشـاهدات 27   تاريخ الإضافـة 12/07/2026   رقم المحتوى 72145
أضف تقييـم