الأربعاء 2026/7/15 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 38.52 مئويـة
نيوز بار
لحظة الانكشاف الكبرى
لحظة الانكشاف الكبرى
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب رياض الفرطوسي
النـص :

 

 

 

 

تخبرنا فلسفة العمارة أن الجدران لا تُبنى فقط لصد الأعداء، بل لتحديد مسارات الوعي، وصناعة مسافات أمنة بين الحاكم ومحكوميه. ولعل أبلغ الشواهد على هذه الهندسة العقابية تعود إلى القرن التاسع الهجري في وادي الرافدين؛ حين قرر الخليفة العباسي المعتصم بالله، وتحت وطأة تمرد البغداديين وغضبهم من ممارسات جنده، أن يؤسس عاصمة بديلة ومعزولة بالكامل في الصحراء هي "سامراء". هناك، شيد المهندسون قصوراً فردوسية كـ "الجوسق الخاقاني" و"المريد"، حيث تتدفق المياه والرفاهية المنفصلة عن الواقع، بهدف خلق "قلعة نخبوية" تحمي الحكام من ضوضاء الناس واحتجاجاتهم. لكن هذه الهندسة التي أرادت عزل الحاكم في رغد مطلق، عجلت بنهايته؛ فتحولت تلك القلاع المحصنة إلى مصيدة قتل فيها الخلفاء على أيدي حراسهم في ما عُرف تاريخياً بـ "فوضى سامراء"، لتبقى بغداد وتزول عاصمة العزلة المصطنعة.

 

هذا النزوع نحو تطويع الجغرافيا لعزل الرفاهية وإخضاع التمرد ليس حكراً على الشرق؛ ففي التاريخ الأوروبي الحديث، يبرز نموذج "نيكولاي تشاوشيسكو" في رومانيا كشاهد صارخ على هذه السيكولوجية. في ثمانينيات القرن الماضي، وبأمر منه، هُدمت أحياء تاريخية كاملة في بوخارست لإقامة "قصر الشعب" (قصر البرلمان حالياً)، الذي صُمم ليكون أضخم مبنى إداري مدني في العالم، محاطاً بشوارع رئيسية واسعة ومجمعات معزولة للنخبة الشيوعية الحاكمة . كان القصر يتلألأ بالثريات الكريستالية والرخام الفاخر والدفء، بينما كان الشعب الروماني على بعد أمتار قليلة خلف تلك الأسوار يقف في طوابير الخبز الطويلة، ويعاني من تقنين الكهرباء الحاد والغرق في الظلام والصقيع. لقد ظن تشاوشيسكو أن هذا المارد الخرساني سيقيه غضبة الجياع، لكن عندما حانت لحظة الانكشاف الكبرى عام 1989، لم تحمه جدرانه الضخمة من هدير الجماهير التي اقتحمت المعزل الفخم في دقائق معدودة.

 

اليوم، تبدو "المنطقة الخضراء" في بغداد كإعادة إنتاج مشوهة لهذه التجارب التاريخية؛ إنها أشبه بـ "سدوم" جديدة، تلك المدينة الميثولوجية التي لم تنهار بسبب انحرافات سلوكية عابرة، بل بفعل نظامها البنيوي القائم على الأنانية المفرطة، والعزل الممنهج، واللامبالاة المطلقة بمعاناة الآخرين. في هذا المعزل البغدادي الحديث، تنعم النخبة بالكهرباء التي لا تنقطع، والمياه الصالحة للشرب، والحدائق الغناء والشوارع النظيفة، في حين يرزح ملايين العراقيين خارج تلك الكتل الكونكريتية تحت وطأة النفايات، وغياب الخدمات الأساسية، والحر القاتل. هذا الفساد البنيوي وجد في نظام "المحاصصة" ركيزته الأساسية، ليشرعن توزيع الغنائم واتخاذ القرارات المصيرية في غرف مغلقة ومكيفة لصالح طبقة حاكمة انتقلت فجأة من أزقة الحرمان إلى قصور الفخامة، دون المرور بمرحلة انتقالية تؤهلها سلوكياً وحضارياً لتفهم معنى الدولة، فبقيت متخلفة في ذوقها، مستعرضة لبذخها الفج في طقوس هجينة شوهت الهوية التاريخية والحضارية لبغداد .

 

ما لا يدركه الكثيرون أن هندسة هذه البقعة المعزولة لم تكن وليدة الفوضى التي تلت الاحتلال، بل كانت مشروعاً معداً مسبقاً وتخطيطاً جاهزاً تم إسقاطه على الواقع ليتناغم مع هيكلية سياسية موازية تقوم على تقسيم الرئاسات الثلاث كحصص ثابتة. لقد صُممت هذه المنطقة لتكون قلعة طبقية ونفسية تمنع أي امتداد طبيعي لبغداد، ولتشرعن ما يُعرف بالـ "ديمقراطية منخفضة الحدة". وهي حالة سياسية يكتفي فيها النظام بتقديم المظاهر القشرية للديمقراطية ( كالصناديق والبرلمان والصحافة الفضفاضة ) مع تفريغ الجوهر الحقيقي المتمثل في العدالة الاجتماعية والتواصل الحيوي مع الناس. لقد أضحى السياسي المعزول يرى نبض الشارع وأوجاع الكادحين من خلف زجاج مصفح ومعقم يحجب عنه حتى غبار المدينة، متناسياً أن تحول الفضاء الذي يُفترض أن يصنع القانون إلى وكر لحماية المكتسبات الخاصة هو المنذر الحتمي بالانفجار.

 

ومع ذلك، فإن هذا الاستعراض الفج للقوة والرفاهية يخفي وراءه حالة من الرعب الوجودي المستمر. إن سيكولوجية الخوف لدى هذه النخبة تتبدى بوضوح في سلوكياتهم اليومية؛ فهم يعيشون بهواجس "النصاب" الذي يخشى لحظة المداهمة والانكشاف. ويتضح هذا الهلع في الطرق المبتكرة وغير المتوقعة لإخفاء وتكديس الأموال المسروقة داخل البلاد، وتسريب الجزء الأكبر منها إلى الخارج لشراء عقارات فارهة في عواصم أوروبية وإقليمية تحسباً لقلب الطاولة وانقلاب الأوضاع. إنهم يدركون في أعماقهم أن هذه الجدران ليست دروعاً أبدية، بل هي جدران من خوف مذهب قد تتداعى عند أول هزة حقيقية.

 

إن سنن التاريخ وعلم الاجتماع، وقوانين السماء التي تؤكد أنه ما كان للقرى أن تهلك بظلم وأهلها مصلحون، تخبرنا بأن جدران العزل، مهما بلغت فخامتها وتحصيناتها، تحمل دائماً بذور تصدعها من الداخل. وكما سقطت حصون سامراء العباسية، وتهاوت أسوار قصر تشاوشيسكو في بوخارست، فإن قلاع العزلة في بغداد ليست استثناءً من هذه الحتمية التاريخية. إن النهاية لا تكتبها الصدف، بل يصوغها تلاقي عاملين حاسمين لا يخطئان أبداً: إرادة الشعوب الحرة، وحركة الزمن التي لا تتوقف.

المشـاهدات 46   تاريخ الإضافـة 15/07/2026   رقم المحتوى 72224
أضف تقييـم