السلطة والفساد تحالف الطمع مع الشراهة![]() |
| السلطة والفساد تحالف الطمع مع الشراهة |
|
كتاب الدستور |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب د. حسين الانصاري |
| النـص : في زمن الوفرة، وضعف تطبيق القانون حيث تغدق الأرض بخيراتها وتتهاوى حواجز الامتلاك، يبرز سؤال مزعج: لماذا يتحول الإنسان، بعد أن يبلغ ذروة ما يتمناه من ثروة ونفوذ، إلى كائن أكثر شراهة؟ ليس طمعا في العيش، بل كمن يعاني من داء الروح. تلك الظاهرة التي يصفها علماء النفس بـ(متلازمة النهم الوجودي ) ويراها الفلاسفة انعكاسا لأزمة هوية أعمق من مجرد الحاجة المادية.فسيغموند فرويد يرى أن السلوك البشري تحركه غريزتان أساسيتان هما غريزة الحياة (إيروس) وغريزة الموت (ثاناتوس). لكن أصحاب النفوس التي لا تشبع، يقدمون نموذجا لتثبيت غريزي عند مرحلة (الشراهة الفموية) هم لا يريدون الشيء لذاته، بل يريدون ابتلاع العالم كتعويض عن قلق الانفصال الوجودي. في هذه الحالة، يصبح المال ليس وسيلة، بل جسما ممتدا للنفس. فكل صفقة جديدة، وكل استحواذ على مشروع شركة أو عقار، هو محاولة لإثبات الذات ضد الفناء. لكن فرويد يحذر من هذا التعويض ويعتبره احساس وهمي، لأن الجوع النفسي لا يشبع بالماديات، بل يشتد كلما زادت كمياتها، تماماً كإدمان المخدرات. اما العالم فريدريك نيتشه يقول في كتابه (هكذا تكلم زرادشت ) الإنسان كائن يمتد على حبل مشدود بين الحيوان والإنسان الخارق. لكن أصحاب النهم المفرط وقعوا في فخ تحويل (إرادة القوة) من أداة للخلق إلى أداة للسيطرة المدمرة. هم لا يريدون التفوق على أنفسهم، بل يريدون إذلال الآخرين بامتلاك ما لا يملكون. هذا حسب نيتشه، هو مظهر من مظاهر (العدمية السلبية )حيث يصبح الجمع غاية في ذاته، فيفقد الإنسان معنى حياته رغم وفرة ممتلكاته وبما يكفيه ويزيد عن حاجته أضعافا يصف نيتشه هؤلاء بـ (المتعطشين للذهب )الذين لو منحوا الكون بأسره، لأكلوه ثم ماتوا جوعا، لأن جوعهم ليس للذهب، بل للمعنى المفقود داخلهم ونجد في التراث العربي الإسلامي، الكثير حول هؤلاء فهذا هو الفيلسوف ابن مسكويه في كتابه (تهذيب الأخلاق ) يرى أن التهافت على جمع الأموال والتوسع في العقارات، حين يتحول إلى حالة شراهة ومرض فهو مؤشر على خلل في القوة الشهوية التي خرجت عن سيطرة القوة العاقلة. وينقل عن أرسطو قوله (ليس الغني من كثر ماله، بل الغني من كثرت قناعته )ويضيف ابن مسكويه أن النفس إذا اعتادت الأخذ دون حد، أصابها (عمى البصيرة )فلا ترى أن ما تجمعه هو في الحقيقة سجن لها، لأنها تنشغل بحفظه دون الاستمتاع به، وتنشغل بالزيادة ييشرح عالم النفس أبراهام ماسلو في هرمه الشهير أن الحاجات الدنيا (الأمن والمال) إذا أُشبعت دون الحاجات العليا (الانتماء، التقدير، تحقيق الذات)، فإنها لا تمنح الاستقرار، بل تولد قلقاً وجودياً مزمناً. هذا القلق يجعل صاحبه يعيش في دوامة من "الحرمان النسبي"، حيث ينظر دائماً إلى من يملك أكثر، فيشعر بالفقر رغم غناه. وهنا يتحول الأمر من طموح إلى مرض نفسي اسمه (اضطراب الاكتناز القهري ) يشير الفيلسوف الوجودي سورين كيركغور إلى أن الإنسان يعيش في حالة يأس دائمة، وأن أعمق أنواع اليأس هو أن يمتلك الإنسان كل شيء ويظل يتساءل: من أنا؟. هؤلاء الذين يجمعون الدنيا، في الحقيقة يهربون من مواجهة هذا السؤال الفلسفي العميق الذي اجاب عنه قول الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، والذي يلخص فلسفة الزوال: (الدنيا دار ممر لا دار مقر، والناس فيها رجلان: رجل باع نفسه فأعتقها، ورجل ابتاع نفسه فأوبقها. وما يجمعه الإنسان من أموال واراضي وشركات، وعقارات هو في الحقيقة رهن مؤجل، سيتركه لغيره، وهذا هو قانون الحياة الأقسى ، أن التعب لك، والثمرة لغيرك. فما يبنيه المرء اليوم، يسكنه غيره غدا. وهذا ليس تشاؤما، بل حقيقة فيزيائية في النهاية، هذه النفوس الجائعة ليست شريرة بالضرورة، بل هي مريضة بإدمان المناعة. العلاج لا يكمن في جمع المزيد، بل في لحظة تأملية يدرك فيها الإنسان أن الشيء الوحيد الذي يبقى له هو ما زرعه في قلوب الآخرين، وليس ما خزنه في أقبية البيوت ومخازن الشركات يقول الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو: في وسط الشتاء، تعلمت أخيرا أنه كان في داخلي صيفا لا يقهر. هذا الصيف الداخلي هو الملاذ الوحيد من برودة الجشع وعقم التنافس. فعندما تشبع الروح بالمعنى، تستريح النفس عن الجري وراء السراب، وتدرك أن الاكتفاء الحقيقي ليس بكثرة ما نملك،بل بما يجعلنا نعيش بقناعة الرضاء وقد أثبت الواقع العراقي أن هذه اظاهرة الفساد ليست مجرد جريمة قانونية، بل هي قبل ذلك خلل في منظومة القيم، وانهيار في الضمير، وعجز عن بناء الإنسان قبل الدولة. فحين يغيب الشعور بالمسؤولية ويضعف سلطان القانون، يتحول المنصب إلى فرصة للنهب لا إلى تكليف لخدمة الناس، ويغدو الوطن مخزنا للغنائم، بينما يدفع المواطن وحده ثمن المدارس التي لم تبن، والمستشفيات التي لم تكتمل، والطرق التي لم ترمم، والأحلام التي أجهضت ،إن من ينهب المال العام لا يسرق المال وحده، بل يسرق الزمن، ويبدد فرص الأجيال، ويؤخر نهضة وطن بأكمله. لذلك فمعركة مكافحة هذه الآفة ليست لاسترداد الأموال فقط، بل لاستعادة المعنى، وإعادة الاعتبار للأخلاق، وترسيخ أن قيمة الإنسان لا تقاس بما راكمه من ثروات، بل بما تركه من أثر نافع في حياة الناس. فالتاريخ لم يخلد أصحاب الخزائن الممتلئة، بل خلد أولئك الذين جعلوا من السلطة مسؤولية، ومن المال وسيلة للبناء، ومن الإنسان غاية لكل مشروع حضاري. |
| المشـاهدات 59 تاريخ الإضافـة 17/07/2026 رقم المحتوى 72253 |
أخبار مشـابهة![]() |
اتحاد الكرة يبحث عن وديات مع منتخبات اوروبية |
![]() |
أمانة بغداد: زراعة 148 ألف شجرة معمرة وخطة لزيادة الرقعة الخضراء |
![]() |
مستشار حكومي: الاتفاقيات الـ 48 مع واشنطن ستعزز الانفتاح الاقتصادي للعراق |
![]() |
تجاوز المعدل الطبيعي بـ21 ضعفاً
تلوث كارثي يخنق الرمادي والدفاع المدني يتدخل
|
![]() |
الملحق الثقافي العراقي يبحث مع مسؤولة التطوير الدولي في هيئة القبول الموحد للجامعات والكليات البريطانية (UCAS) التعاون الثنائي
|
توقيـت بغداد









