الثلاثاء 2026/7/28 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 35.25 مئويـة
نيوز بار
البنية الفنية في مقامات الصقلاوي
البنية الفنية في مقامات الصقلاوي
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

ناصر أبوعون

تحت عنوان (مقامات السُّرى) كتب الشاعر العُماني سعيد الصقلاويّ ديونًا كاملًا، يتكوّن من 50 مقطوعة شعريّة، وقد اعتمد في تكوينها الهندسيّ الشكليّ على فكرة (الرباعيات)، وربّما كان هذا الاختيار الشكليّ راجع لرغبة عارمة داخل الشاعر ألحّت عليه دفعته إلى خوض تجربة جديدة ترتكز على إنتاج الدلالة من مقاربة شكلية وبنيوية؛ وقد صاغها الصقلاويّ في شكل وحدة هندسية متكررة مشحونة بالمعاني الصوفيّة المتعالية، وإن كانت في تركيبها المعماري بنية إيقاعية مغلقة وقودها اللغة، وديناميتها البنى العروضية والصوتية والتراكيب الفنيّة عمد إلى تضفيرها في نسق واحد وفق نظام داخلي محكم بغيته توليد معانٍ جديدة.. وللاقتراب أكثر ارتأينا تحليلها بأدوات النظرية البنيوية والمدرسة الشكلية.

فإذا ما تساءلنا: لماذا وظّف الشاعر سعيد الصقلاوي آليّة (انتظام الوزن) في البناء الفني لهذه المقامات؟ وربّما يعود هذا لأسباب عِدَّة؛ يتقدمّها تأثر الشاعر بوظيفته ودراسته الأكاديمية فكونه درس علم الهندسة وتخطيط المدن حرضته مهنته على صُنع إيقاعٍ نغميٍّ يتماهى مع الخطاب الصوفيّ التأمليّ؛ ليُوجِدَ حالة من الإنصات الداخليّ والسكينة!! وتلك الحالة تمهّد تلقائيًّا لموضوع المقامات الذي يرتكز على فلسفة الكشف والتجلّي مؤطّرة بحالة عرفانية متعالية. فضلًا عن هذا فقد لاحظنا الإيقاع في سائر المقامات يتهادى ولا تتصاعد حدّته، ولا يصَّاعد باتجاه التوتر الدراميّ.

وقد لاحظنا أيضا كيف حقق الشاعر مبدأ الاتِّساق الشكليّ من خلال التزامه بوحدة البحر الشعريّ داخل كل رباعية، وهذا بدوره جعل من الوزن عنصرًا بنائيًّا ثابتًا غير مضطرب، ومن انتظام الإيقاع وسيلةً لإحكام البنية، وليس مجرد إطار موسيقي!!

فإذا ما تأملنا في القافية الموحّدة في كل رباعية مع اختلاف حرف الروي من مقام إلى آخر، وجدنا هذا التنويع يمنح كل رباعية استقلالها الصوتي، ويؤكد على أنها وحدة مكتفية بذاتها، وتِبَاعًا يؤدي هذا الانتظام الصوتي إلى نشوء دائرة إيقاعية مغلقة، تبدأ بالقافية نفسها وتنتهي إليها، بما يحقق خاصية الاكتمال البنائي لكل مقام.

وكان من أبرز الخصائص الشكلية في هذا الديوان اعتماد الشاعر على ما يُسمّى بـ(التوازن التركيبي) بين صدر البيت وعجُزه؛ ففي سائر المقامات الـ 50 نجد صدر البيت يقوم على فعل التعلُّم، بينما يأتي عجز البيت نتيجة لهذا التعلُّم، فتتحقق علاقة سببية متوازنة. كما قوله: (علمتني الحروف كيف أصوغُ/ حسنها جوهرًا ولا أستسيغُ)، ومن جهة أخرى نلاحظ انتقال البيت الشعريّ من تقديم المعرفة إلى بيان أثرها، وهو انتقال منطقي يحافظ على تماثل البنية. كما في قوله:(علمتني حقيقة أن طرفي/ ملؤه جنتي وأضواء كهفي).

وكان من أهم سمات (مقامات السُّرى) الرباعية للشاعر العُماني سعيد الصقلاوي اختزالها للفكرة الفلسفية الكاملة في أربعة أبيات فقط؛ فكل مقام يبدأ بالفعل: (علمتني) ليؤسس نقطة الانطلاق المعرفية، ثم تتدرج الأبيات نحو الكشف عن حكمة واحدة تنتهي بخلاصة دلالية.

ومن منظور المدرسة الشكليّة، يمكن النظر إلى كل مقام رباعيّ بوصفه نظامًا مستقلاً يتكون من: (عنوان) يحدد الحقل الدلالي، و(مفتتح) ثابت بالفعل "علمتني" يرتكز على التدرج المعرفي في الأبيات، و(خاتمة) تلخِّص الرؤية الفلسفية، فضلًا عن (الوحدة الوزنية) المتعاونة مع (وحدة القافية). وهذه العناصر جعلت كل مقام وحدة نَصِّيّة مكتفية بذاتها، مع احتفاظ سائر المقامات بعلاقات مترابطة عبر التكرار البنائي والافتتاح الموحّد، بما يُكوّن نسقًا شعريًا واحدًا؛ وبذلك يتحول المقام الرباعيّ إلى بنية دائرية تبدأ بمصدر المعرفة وتنتهي بنتيجتها، وهو ما يحقق مبدأ الوحدة العضوية

وفي الأخير أقول لكم.. في هذه المقامات الـ50 استطاع الشاعر سعيد الصقلاوي التخلص من فكرة الزينة الصوتيّة المتولّدة عن الوزن العروضي الصارم والقافية المنتظمة، ونجح في تفجير طاقة الوزن الموسيقية بُغية إنتاج دلالة جديدة ترتكز في بنيتها على أضلاع مثلث الإبداعي؛ هي: (انتظام موسيقي يرسّخ وحدة النصّ)، و(اقتصاد لغويّ مشِّع بالدلالات)، و(توازن تركيبي)، ولكن هناك خصوصيّة فنيّة في هذه المقامات نشأت من اعتماد الشاعر على تكرار الشكل الرباعي الذي يحقق هدفين رئيسين هما: الانسجام الشكليّ، والتركيز الدِّلاليّ.

 

المشـاهدات 3136   تاريخ الإضافـة 18/07/2026   رقم المحتوى 72344
أضف تقييـم