الثلاثاء 2026/7/21 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 42.68 مئويـة
نيوز بار
من يفتح الباب؟
من يفتح الباب؟
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب د.أحمد العسكري
النـص :

تخيّل وأنت تقلب شاشة جهازك المحمول، تعثر على رسالة كتبها تاجر قبل أربعة آلاف عام، تقرير عن بضاعة رديئة، عقد زواج يفصّل حقوق الطرفين، أو شكوى عامل لم يتسلّم أجر عشرين يومًا من العمل تحت شمس الرافدين الحارقة.يبدو أن سكان بلاد الرافدين سيكون بمقدورهم العودة إلى التأثير وإيصال أصواتهم، وربما لن يعودوا حبيسي تماثيل جامدة في المتاحف أو مجرد نقوش لأسماء بحروف مسمارية على ألواح طينية متآكلة، لقد (لعبوها صح) عندما أرّخوا وسجّلوا يومياتهم على تلك الألواح، فها هم يتحدثون ويغضبون ويحبون ويحاربون ويخافون ويطالبون بحقوقهم.وربما هذه هي القيمة الحقيقية لإطلاق واجهة عربية موسعة للنصوص المسمارية ضمن مشروع (إتاحة النصوص المسمارية) الذي ينفذ بتعاون دولي تقوده مبادرة المكتبة الرقمية المسمارية، وبمشاركة جامعة القادسية العراقية، وجامعة يورك البريطانية، وجامعة لوند السويدية، إلى جانب باحثين من جامعتي بغداد والموصل.هذا المشروع لا يتلخص بمجرد نقل بيانات قديمة إلى شاشة حديثة، ولا خبرًا تقنيًا يهم المختصين وحدهم، إنها لحظة يمكن أن تغيّر علاقتنا بتاريخنا،شريطة أن نحاول استثمراها بصفتنا أحفاد أولائك الذين سجلوا لنا كل شيء تقرياَ. في أرض الرافدين، كُتبت أولى القوانين والملاحم والصلوات والحسابات والرسائل الشخصية،وأمور أخرى (مدهشة) يصعب حصرها في مقال واحد, ومع ذلك ظل هذا التراث في غالبيته بعيدًا عن القارئ العراقي والعربي وكأن هنالك من وضع (فيتو) ثقافي عليه,محولا إياه إلى طلاسم بلغات أجنبية ومصطلحات أكاديمية معقدة في مكتبات يصعب الوصول إليها والنتيجة,غالبًا كان علينا أن نتعرّف إلى تاريخنا عبر وسيط أجنبي، وأن نقرأ ما كتبه الآخرون عنا قبل أن نصل إلى أصوات أجدادنا أنفسهم.الإتاحة العربية الجديدة يمكن أن تكسر هذه المسافة,إذا أحسنا استغلالها وتبنيها من خلال مؤسساتنا الثقافية والفكرية,تمهيدا لدمجها في النتاج الفكري والثقافي العراقي بشكل أحدث وأكثر فاعلية ومقبولية للمتلقي الحديث.هنا لا أعني الباحث في الآشوريات وحده، إنما أعني الروائي الذي يبحث عن شخصيات كانت فاعلة ومؤثرة في بيئتها ولم تُكتب بعد، والمخرج الذي يريد بناء مشاهد في مدينة قديمة لا تشبه الديكورات المستوردة، والمعلم الذي يرغب في شرح التاريخ لتلاميذه بوصفه حياةً لا بكونه سلسلة أحداث وتواريخ والقارئ الذي يريد أن يعرف كيف كان الإنسان العراقي القديم يفكر في البيت والعمل والحب والموت.في سردياتنا كثيراَ ما نعود إلى جلجامش وإنكيدو وعشتار، وإينانا, لكن بلاد الرافدين لم تكن تسكنها الشخصيات الكبرى وحدها، كان هناك خبازون وجنود ونساء يكتبن همومهن وتجار يتجادلون حول الأسعار وأطباء يصفون العلاجات وطلاب ربما تذمروا من الدراسة،فخلف الملوك والآلهة والكهنة,عالم كامل من البشر العاديين، وهو عالم أكثر قربًا واتساعاَ وأهمية مما نظن.نحن أمام فرصة حقيقة لتحويل هذا الخزين إلى منتج إبداعي محلي قبل تصديره عالمياَ,ففي عالم الرواية الحديثة قد يجد روائي في رسالة قصيرة كتبت قبل الاف السنين باللغة المسمارية حبكة كاملة، وقد يحوّل كاتب مسرحي نزاعًا على أرض في (دور شروكين)إلى صراع عائلي معاصر,بل قد يقرأ شاعر تعويذة قديمة فيسمع فيها تساؤلات وجودية وخوف الإنسان من المرض والفقد، هكذا يصبح التراث مادة للحياة، لا زينة ثقافية.في صناعة السينما ورغم اننا ما زلنا نقف بعيدًا,فهذا التوافر للنصوص يمثل كنزاَ، لدينا مدن غارقة في الطين والذهب، وملوك خائفون، وكهنة ومؤامرات وحروب ورحلات إلى المجهول وهي  نادرًا ما تروى بصريًا من وجهة نظر عراقية، حين ستصبح تلك النصوص في متناول كتاب السيناريو ومصمموا الملابس والباحث الفني، يمكن أن تظهر أعمال أكثر صدقًا وأقل اعتمادًا على الصورة الأجنبية الجاهزة عن سكان وادي الرافدين القدماء.الفرصة أعمق بالنسبة للجامعات، فلم يعد مقبولًا أن يظل الطالب العراقي بعيدًا عن المصدر الأول، مكتفيًا بملخصات مدرسية أو مراجع مترجمة، فالوصول إلى النصوص الأصلية يمنحه فرصة أن يناقشها ويختلف معها ويعيد قراءتها من داخل المكان الذي وُلدت فيه،فالباحث العراقي لا يجب أن يظل هامشًا في الدراسات العالمية،لأنه شريك في إنتاج المعرفة التي تركها أسلافه. المكتبة الرقمية التي ستصبح متاحة لن تصنع المعجزة لوحدها، فالنصوص المسمارية ومهما كانت ثمينة ستظل ساكنة إن لم تجد من يوقظها، لذلك نحن بحاجة إلى ورش تجمع الباحثين بالكتّاب والسينمائيين، وإلى جامعات تُدخل هذه المصادر في مناهجها،ودور نشر تبحث عن مشاريع جديدة والأهم دور المؤسسات الثقافية التي  تمنح الجوائز والدعم للأعمال التي تتعامل مع التراث بعمق، لا بوصفه زخارف ونقوش قديمة.لقد أصبح صوت الماضي أقرب إلينا،لم يعد علينا أن نقطع آلاف الكيلومترات أو نتقن عدة لغات كي نسمع تاجرًا من أور أو كاتبًا من بابل أو امرأة أرسلت رسالة وانتظرت جوابها.تاريخنا يتنفس من جديد,بل يطرق بابنا باللغة العربية.فهل من مجيب؟

 

 

المشـاهدات 38   تاريخ الإضافـة 20/07/2026   رقم المحتوى 72435
أضف تقييـم