الخميس 2026/7/23 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 36.03 مئويـة
نيوز بار
التربية في زمن المؤثرين
التربية في زمن المؤثرين
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب م.م زيد محمد كاظم
النـص :

 

 

استيقظت الأسرة العراقية على واقع جديد لم تعهده الأجيال السابقة؛ فلم يعد الأب والأم والمعلم وحدهم من يشاركون في تربية الأبناء، بل دخل إلى البيت ضيف دائم لا يستأذن أحدًا. يحمل هذا الضيف هاتفًا ذكيًا، ويتحدث بلغات متعددة، ويظهر في كل ساعة بوجه جديد، ويقدم نفسه على أنه قدوة، أو خبير، أو صانع نجاح، أو صاحب أسلوب حياة يستحق التقليد. ومع مرور الوقت، لم يعد تأثيره محصورًا في الترفيه، بل امتد إلى تشكيل الأفكار، وصناعة القيم، وتحديد السلوك، حتى أصبح كثير من الأبناء يقضون مع المؤثرين وقتًا أطول مما يقضونه مع معلميهم أو أفراد أسرهم. هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة الثورة الرقمية التي جعلت الوصول إلى الجمهور أسهل من أي وقت مضى. فقد أصبح بإمكان أي شخص يمتلك هاتفًا وكاميرا أن يخاطب مئات الآلاف، وربما الملايين، دون أن يمر عبر مؤسسة إعلامية أو تربوية أو ثقافية. وهكذا، ظهرت أجيال جديدة من المؤثرين الذين يختلفون في مستوياتهم العلمية والثقافية والأخلاقية، لكنهم يشتركون في امتلاك قدرة كبيرة على جذب الانتباه وصناعة التأثير. لا يمكن إنكار أن بعض المؤثرين قدموا محتوى هادفًا، وأسهموا في نشر المعرفة، وتشجيع القراءة، وتعليم المهارات، وتعزيز المبادرات الإنسانية، وأصبحوا نماذج إيجابية يقتدي بها الشباب. غير أن الصورة لا تكتمل عند هذا الحد، فالمشهد الرقمي يضم أيضًا نماذج أخرى جعلت الشهرة هدفًا بحد ذاتها، حتى وإن جاءت على حساب القيم أو الذوق العام أو احترام العقل. وفي العراق، تبدو هذه الظاهرة أكثر وضوحًا مع الانتشار الواسع للهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي. فقد أصبح كثير من الأطفال والمراهقين يعرفون أسماء المؤثرين أكثر مما يعرفون أسماء العلماء أو الأدباء أو المبدعين، ويحفظون تفاصيل حياتهم اليومية، ويقلدون طريقة حديثهم وملابسهم وسلوكهم، لأنهم يشاهدونهم باستمرار، ويتفاعلون معهم بصورة يومية، ويشعرون بأنهم أقرب إليهم من أي شخصية أخرى. ولم يعد تأثير المؤثر يقتصر على الجانب الترفيهي، بل امتد إلى تشكيل أنماط التفكير واللغة والاستهلاك وحتى الطموحات. فكثير من الشباب أصبح يقيس النجاح بعدد المتابعين، ويربط المكانة الاجتماعية بحجم الشهرة، ويعتقد أن الوصول إلى الأضواء أهم من الوصول إلى المعرفة أو التميز العلمي. وهذه التحولات تستحق وقفة جادة، لأنها تعيد تعريف مفهوم النجاح في أذهان الأجيال الجديدة. تواجه الأسرة العراقية اليوم تحديًا مختلفًا عن التحديات التي عرفتها في الماضي. فلم يعد السؤال كيف نحمي أبناءنا من الشارع فقط، بل كيف نحميهم من المحتوى الذي يدخل إليهم عبر شاشة صغيرة يحملونها في أيديهم طوال اليوم. فالمؤثر لا يطرق الباب، بل يدخل مباشرة إلى غرفة الطفل، ويتحدث إليه، ويكسب ثقته، وربما يؤثر في قراراته أكثر من أقرب الناس إليه. أما المدرسة، فقد وجدت نفسها أمام جيل يتلقى المعرفة من مصادر متعددة، بعضها موثوق، وبعضها الآخر قائم على الإثارة أو الترفيه أو تحقيق الأرباح. ولم يعد دور المعلم يقتصر على نقل المعلومات، لأن الطالب يستطيع الوصول إليها بضغطة زر، بل أصبح دوره الحقيقي هو تنمية التفكير النقدي، وتعليم الطلبة كيف يميزون بين المحتوى المفيد والمحتوى المضلل، وبين القدوة الحقيقية والشهرة المؤقتة. والإعلام كذلك يتحمل مسؤولية لا تقل أهمية. فحين يسلط الضوء على أصحاب المحتوى الهابط لمجرد أنهم يحققون نسب مشاهدة مرتفعة، فإنه يمنحهم شرعية إضافية، ويسهم في تكريس صورة مشوهة للنجاح. أما عندما يقدم نماذج عراقية ناجحة في العلم والثقافة والطب والهندسة والأدب والعمل التطوعي، فإنه يفتح أمام الشباب أبوابًا جديدة للاقتداء، ويعيد التوازن إلى المشهد. ولا ينبغي أن يكون الحديث عن المؤثرين حديثًا عدائيًا، فالمشكلة ليست في وجودهم، بل في غياب المعايير التي تساعد الجمهور على التمييز بينهم. فالمجتمع يحتاج إلى مؤثرين يزرعون المعرفة بدلًا من السطحية، ويشجعون على القراءة بدلًا من الاستهلاك، ويعززون قيم العمل والاجتهاد بدلًا من البحث عن الشهرة السريعة. كما يحتاج إلى مؤسسات تربوية وإعلامية تواكب هذا التحول، بدل أن تكتفي بانتقاده. وإن التربية في العصر الرقمي لم تعد مسؤولية الأسرة وحدها، ولا المدرسة وحدها، ولا وسائل الإعلام وحدها، بل أصبحت مسؤولية مشتركة، لأن الطفل يتلقى رسائل تربوية من كل شاشة يشاهدها، ومن كل محتوى يتابعه، ومن كل شخصية يقرر أن يجعلها قدوته. وإذا غاب التنسيق بين هذه المؤسسات، فإن المؤثر سيملأ الفراغ بطريقته، سواء كانت إيجابية أم سلبية.لقد تغيرت أدوات التربية، لكن أهدافها بقيت كما هي؛ بناء إنسان يمتلك المعرفة، ويحترم القيم، ويعرف كيف يفكر، وكيف يختار، وكيف يتحمل مسؤولية قراراته. وتحقيق هذا الهدف يتطلب أن ندرك أن المعركة الحقيقية لم تعد بين المدرسة والهاتف، ولا بين المعلم والمؤثر، بل بين المحتوى الذي يبني الإنسان، والمحتوى الذي يستهلك وقته ويعيد تشكيل وعيه بعيدًا عن حاجات المجتمع.التربية في زمن المؤثرين ليست دعوة إلى إغلاق المنصات أو محاربة التكنولوجيا، وإنما دعوة إلى صناعة وعي جديد يرافقها. فكل عصر يصنع أدواته، لكن المجتمعات الواعية هي التي تحسن استخدام تلك الأدوات في بناء الإنسان، لا في صناعة جيل يقيس قيمته بعدد الإعجابات، وينسى أن التأثير الحقيقي لا يُقاس بعدد المتابعين، بل بما يتركه الإنسان من أثر نافع في حياة الآخرين.

 

المشـاهدات 17   تاريخ الإضافـة 23/07/2026   رقم المحتوى 72559
أضف تقييـم