الخميس 2026/7/23 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 36.03 مئويـة
نيوز بار
خرائط القوى الكبرى الحلقة الأولى: وهم الخطوط المستقيمة
خرائط القوى الكبرى الحلقة الأولى: وهم الخطوط المستقيمة
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب رياض الفرطوسي
النـص :

 

 

 

 

عندما تعيش في هولندا، حيث كل شيء منظم بدقة هندسية صارمة، وحيث القنوات المائية والشوارع رُسمت بعناية لتطويع الطبيعة، تكتشف أن "النظام" ليس مجرد أسلوب حياة، بل هو طريقة تفكير غربية ترى العالم كرقعة قابلة للسيطرة. لكن، عندما تجلس في مكتبتك وتتأمل خريطة الشرق الأوسط، يتبدد هذا الوهم فوراً. تدرك فجأة أن ما تراه ليس مجرد خطوط مرسومة على الورق، بل هي خطوط زلازل متقاطعة؛ تاريخ من الدماء، والوعود الكاذبة، والاتفاقيات التي كُتبت بحبر الغطرسة.

 

في تلك اللحظة، لا تملك إلا أن تستحضر شبح "سايكس بيكو". قبل قرن من الزمان، قسّم رجلان خلف مكاتبهما المغلقة منطقتنا وكأنها إرث بلا صاحب. لكن ما تُجمع عليه اليوم كبرى مراكز الدراسات الدولية في واشنطن ولندن، هو أن تلك الخرائط التقليدية التي صمدت لقرن من الزمان قد انتهت صلاحيتها. الجغرافيا السياسية ليست قدراً محتوماً، بل هي معركة إرادات مستمرة، والخطوط المستقيمة التي رسمها المستعمرون بدأت تتلوى تحت وطأة الواقع الجديد.

 

نحن نعيش اليوم اللحظة التي تصفها معاهد الأبحاث الاستراتيجية بـ"الفراغ الجيوسياسي الكبير". مع تراجع النفوذ الأميركي البطيء والمرتبك، وحالة الانكفاء الاستراتيجي التي تعيشها واشنطن، وصعود الصين الحذر والدبلوماسي الذي يتحرك عبر الاقتصاد والموانئ، وتصرف إسرائيل كقوة طاغية متفلتة من أي عقال تريد فرض أمر واقع جديد؛ نجد أنفسنا أمام لحظة تاريخية تشبه تماماً الفترات التي سبقت سقوط الإمبراطوريات العظمى. إنها لحظة "فتح الخرائط القديمة" وإعادة فحصها.

 

الشرق الأوسط اليوم لم يعد مجرد مسرح لتنفيذ رغبات العواصم الكبرى، بل تحول إلى رقعة يكتشف فيها كل طرف دولي أنه لم يعد بمقدوره أن يرسم مصير الآخرين دون أن يدفع هو نفسه الثمن باهظاً؛ سواء في أمن الطاقة، أو في طرق التجارة الدولية التي تمر عبر مضائقنا وبحارنا.

 

في هذه السلسلة، لن أقرأ لكم الأحداث بقلم الدبلوماسي الذي يجيد المواربة، ولا ببوصلة الجنرال الذي لا يرى سوى فوهات المدافع. سأقرأها بعين الكاتب الذي يرى في السياسة ملحمة إنسانية واقتصادية كبرى، وفي التاريخ مدرسة لا تغلق أبوابها أبداً.

 

وقبل أن نغوص معاً في تفاصيل هذه التحولات الصادمة في الحلقات القادمة، دعني أطرح عليك السؤال الذي تقف عنده مراكز الفكر اليوم وتتحاشى الإجابة عنه بوضوح: هل تعتقد أننا ما زلنا محكومين بالقراءة في الخرائط التي رسمها لنا الآخرون، أم أن القوى الإقليمية بدأت مجبرة، وتحت وطأة النار، في رسم خرائطها الخاصة؟

 

في الحلقة القادمة، سنتوقف عند اللحظة التي تثير رعب صانعي السياسات في الغرب: عندما يلتقي الدب الروسي والتنين الصيني عند نقاط نفوذنا الحيوية، وحين يصبح الأصدقاء القدامى عبئاً ثقيلاً.

المشـاهدات 13   تاريخ الإضافـة 23/07/2026   رقم المحتوى 72563
أضف تقييـم