معركة قانونية مع الذكاء الاصطناعي
![]() |
| معركة قانونية مع الذكاء الاصطناعي |
|
كتاب الدستور |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب د.أحمد العسكري |
| النـص :
قبل أشهر كان مجرد الحديث عن كتابة نص أدبي بمساعدة (الذكاء الاصطناعي) يثير الخوف والريبة,وكأن الأدب أصبح واقفا على حافة الانهيار الوشيك. كثيرون اعتقدوا أن الآلة بدأت تنافس أو تسلب الكاتب صوته وأن الخوارزميات (الجامدة) وحدها بدأت تتسيد المشهد الإبداعي بشكل ناعم وربما مشبوه,إلا أن المشهد سرعان ما بدأ يتغير بسرعة مذهلة وغير متوقعة,ولم تسر الأحداث في الاتجاه الذي توقعه المتشائمون,ما أنتج واقعا جديدا أكثر توازنا وإثارة. واحدة من أكبر المعارك في تاريخ صناعة النشر وحقوقه وآلياته وربما أخلاقياته بدأت تحتدم من جراء تسلل النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي إلى المنتج الثقافي والأدبي على وجه الخصوص,ليست معركة ضد الذكاء الاصطناعي بالضرورة,إنما معركة حول من يملك المعرفة والحق في تعليم أو تلقين الآلة لتخرج لنا بصياغات جديدة قد تسهم في تشكيل وربما صياغة ذائقة إبداعية جديدة.المؤشر الواضح من وجهة نظري يتمثل برفع بعض من كبريات دور النشر وعدد كبير من المؤلفين دعاوى قضائية ضد شركات تقنية عملاقة,تقودها ثلاث من أكبر مؤسسات النشر العالمية وهي مجموعة (هاشيت) للنشر التي تعد من أبرز الناشرين الأدبيين والكتب العامة و(سينغيج) للتعليم المتخصصة في الكتب والمراجع الأكاديمية و(إلسفير) أكبر ناشر عالمي للمجلات والمؤلفات العلمية والطبية. لم تقتصر المعركة على دور النشر فالمحامي والروائي الأمريكي (سكوت تورو) هو الآخر رفع دعوى قضائية ممثلا لشريحة واسعة من المؤلفين وللسبب ذاته.هؤلاء المشتغلون بالأدب نشرا وتأليفا يدعون أن أعمالهم استُخدمت في تدريب نماذج خاصة بالذكاء الاصطناعي من دون إذن أو تعويض وبأن أسماء عدد من المؤلفين المعروفين مثل (جيمس باترسون) و(دونا تارت) و(يي يون لي) و(أماندا فايل) بوصفهم من أصحاب الأعمال التي يرجح إن نماذج الذكاء الاصطناعي تدربت على أعمالهم الأدبية من دون الحصول على موافقة أصحابها.برامج (الذكاء الاصطناعي) متهمة أيضا باستخدام ملايين الكتب المحمية بحقوق النشر لتدريب نماذجها بلا إذن أو مقابل لأصحاب هذه الأعمال.ووسط هذه الجدلية تقول شركات التقنية أنها لا تنسخ الكتب من أجل عائدات مالية وإنما بهدف التعلم كما يتعلم الإنسان من القراءة في خطوة ضرورية لتطوير أدوات ستكون قادرة على خدمة البشرية في مجالات لا حصر لها ومنها مجال التأليف الأدبي. العالم وجد نفسه من جديد أمام سؤال تفرضه التكنلوجيا الحديثة وهو,هل يحق للآلة أن تتعلم من الكتب كما يتعلم الإنسان أم أن المعرفة الإبداعية يجب أن تبقى خاضعة لإذن أصحابها,حتى لأغراض التعليم وتطوير المهارات؟.المطمئن ربما أن هذه المعركة القانونية لا تعني أن الكاتب قد أصبح في مواجهة الذكاء الاصطناعي,بل على العكس تماما فعدد الروائيين والشعراء والباحثين الذين يستخدمون هذه الأدوات في تزايد مستمر فجمع وتبويب المراجع وتنظيم الأفكار ومراجعة الحبكات وتحليل الشخصيات والتدقيق اللغوي أصبح أسهل وأكثر فاعلية مع هذه الأدوات,ناهيك عن استكشاف احتمالات جديدة ومبتكرة للسرد.من هنا نجد تغييرا في نظرة المؤسسات الثقافية والمراكز البحثية خلال فترة قصيرة فبعد أن كان النقاش يدور حول منع استخدام برامج الذكاء الاصطناعي أصبح الحديث يدور حول كيفية استخدامه بصورة مسؤولة تحافظ على حقوق المؤلف وتمنحه في الوقت نفسه أدوات أكثر قوة للإبداع, ودور النشر بدأت بالفعل في مناقشة نماذج جديدة للترخيص والتعويض والبحث عن صيغ قانونية تضمن استمرار الابتكار من دون المساس بحقوق الكتاب.والخلاصة من وجهة نظر محايدة,تتمثل بأن الذكاء الاصطناعي لم يقلل من قيمة الكاتب والكتاب بل كشف أن القيمة الحقيقية للنص لا تكمن في طريقة إنتاج النص وإنما في التجربة الإنسانية التي تقف خلفها,فالآلة تستطيع تحليل ملايين الصفحات والنصوص خلال دقائق لكنها لا تعرف معنى الفقد ولا نشوة الانتصار ولا الوجع الإنساني الكامن في النصوص ولا تستطيع أن تحول تلك المشاعر إلى أدب حي يلامس القلوب إلا بوجود (مايسترو) إنساني هو صانع النص الإبداعي.ولا شك أننا نعيش اليوم لحظة تشبه اختراع المطبعة أو ظهور (الكومبيوتر) الشخصي فخشية وريبة الناس يومها كانت تشبه حالتنا اليوم,وهي ضياع قيمة الكتابة بوصفها فعلا إنسانيا يصب في خانة الإبداع, لكن ما حدث هو العكس إذ توسعت دائرة المعرفة وازداد عدد المؤلفين وظهرت أشكال جديدة من الإبداع. المستقبل لا يشي بصراع بين الكاتب والذكاء الاصطناعي بل شكل من أشكال الشراكة الذكية التي تمنح المبدع والباحث قدرة أكبر على الاكتشاف والتنظيم ليتفرغ للمهمة الأجمل والأسمى وهي الحكاية والثيمة والمعنى ويمنح الكلمات روحها من دون أن يضيع في تفاصيل تستهلك وقته وذهنيته الإبداعية وليطمئن المشككون,فحكايا الجدات لن تُروى بالذكاء الاصطناعي,إنما قد يسهم الذكاء الاصطناعي بتطوير ذهنية جدات المستقبل.
|
| المشـاهدات 23 تاريخ الإضافـة 28/07/2026 رقم المحتوى 72585 |
توقيـت بغداد









