الأربعاء 2026/7/29 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 35.03 مئويـة
نيوز بار
الرّمز الديني في شعرِ وَحيد شلّال : أهل البيت نموذجاً
الرّمز الديني في شعرِ وَحيد شلّال : أهل البيت نموذجاً
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

كمال أنمار

 

أهل البيت و مكانتهم

لأهل البيتِ منزلة عظيمة عند كُل الطوائفِ الإسلامية باختلاف منابعِ فقهها و مَشارب أصولها،و توجّه عقائدها و أبعادِ رؤيتها التاريخية و هم عند الجميع محمودين لا يمسّ لهم طرف عموماً،و ذلك عملاً بالحديث القدسي الذي وصف فيه النبي أهل بيته بأنهم ( أحد الثقلين) و قال النبي (ص): أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي" و" أحبوني بحب الله وأحبوا أهل بيتي لحبي".

و على منوال هذه الأحاديث الداعية للتقرب و حب اهل البيت سار الشعراء مثلهم مثل غيرهم من الفقهاء و أهل الكلام و عامة المسلمين،و منهم شاعرنا وحيد شلال الذي كُتب على قبره " شاعر أهل البيت" متبوعاً ببيته الشعري الصادح

و شفيعُنا يوم الحساب نبينا

و وصيّه و بنـــوه أنوار الزمن

و هذا البيت ـ وغيره ـ إنما يدل على تأثره العميق و الكينوني المندفع بحبّ الصفوةِ التقيّة البارّة لله و رسوله الذين عُرفوا بصلاحهم و تقواهم و عبادتهم مقتدين بجدّهم سيّد الخلق و الفريقين من عربٍ و عجم.

وحيد شلال و أهلُ البيت

يترجم شاعرنا حُب أهل البيت في قصائدٍ يترجمها حِسه الرقيق و ينثرها على الروح قبل أن يكتبها على صفحات الورق،هذه القصائدَ تمثل روائع الشاعر و تجسّد قدرته الفنية على صياغة المراثي بنفَسٍ مرهفٍ و بأدوات الشعر العمودي المنمّق و الأثير و تروي لنا هذه المراثي قصّة الإرتباط الوجداني في مخيّلة الشاعر الزاهيةُ بالتنوّع الثقافي

و قلبِه الزاخر بالفكر الجامع بين التراث و المعاصرة و كيانِه النابض و المشرِق بالعدالِة و النقاء و بين حبّ آل الهدى الذين وصف حبهم الإمام الشاعر الفقيه محمد بن ادريس شافعي في أحد قصائده السنّية قائلاً :

يا آلَ بَيـــــتِ رَسولِ اللَهِ حُـبَّكُمُ

فَرضٌ مِنَ اللَهِ في القُـرآنِ أَنزَلَهُ

يَكفيكُمُ مِن عَظيمِ الفَـخرِ أَنَّكُمُ

مَن لَم يُصَلِّ عَلَيكُم لا صَـلاةَ لَهُ

هذه الابيات إنما تدل على إن صاحب المذهب و محرر أصول الفقه و واضع أساسه الامام الشافعي كان ممن يجلّ أهل البيت بشدةٍ و لخصوصيةٍ واضحة و يعظم قدرهم تماماً مثله مثل الأئمةِ المهتدين و الجهابذة أهل العلم و الزهد المتنوّرين.

و أظنّ أن شاعرنا قد قرأ الأبيات المشهورة التي أوردها الإمام أبو بكر البيهقي في مناقب الإمام الشافعي و السُّبكي في طبقات الشافعية و التي يقول فيها الشافعي:

يا راكبًا قف بالمحصّــب من منى

واهتف بقاعد خيفنا والناهــــضِ

سحرًا إذا فاض الحجيج إلى منى

فيضًا كملتطــــم الفرات الفائضِ

و بينما يتأثر بهذه الكلمات البليغة يكتب قصيدته المرهفة المعنونة " تحية لأبي الحسن" و التي مطلعها

يا راكباً أما تمـــر فبلغــــــــــن

عند القباب تحيةً لأبي الحسنْ

قف عند أعتاب الضريح مناديا

إن الإمام مــــلاذُنا يوم المحنْ

و ارى أن الشاعر قد مرّت عليه بعض الأبيات المنسوبة للشافعي و التي تتخذُ معنى مشتركا مع النص السابق،

لئنْ كان ذنبي حبُّ آلِ محمّدٍ

فذلك ذنبٌ لستُ عنْه أتوبُ

همُ شفعائي يومَ حشري ومَوْقِفي

إذا ما بَدَتْ للنّاظرينَ خُطوبُ

النبي محمد (ص)

إنّ هذا المُشترك المعنوي و الذي يشير لمعنى الشفاعة لهو نابع من فؤادٍ يرى فِي أهل البيت نجاة يوم المحن و ذلك لعظيم مكانتهم و خصوصية ما وصفهم الرسول ( ص ) و لا ننسى أن شاعرنا قد وضع قصيدته الاولى في ديوانه (تراتيل الرحيل) في مدح الرسول (ص) فقد قال و هو يحن لأرض طيبة المنوّرة و ثرى النبي الأكرم :

لم يبــقَ لي غيــــر الحــــجاز بهِ

ألوذ معتصــماً بالركنِ و الحرمِ

خذني لدارهمُ زاد الحنين لهم

لأرض طيبة ضمّت أكرم الرممِ

بهذا الترتيب المنطقيّ كان شاعرنا قريبا من الرسولِ فهو يحن إليه فهو " طه خيرُ من نزلت له الصحائفُ" و يخاطب النبي و يقول انت الذي" يحلو البيان اذا ما كنتَ مقصده" و "سيرة المصطفى عطرٌ لكل فمِ" و " سجاياه فاقت في مروئتها أم اليتيم على مولودها الضّرِمِ".فبكل هذه الألفاظ المتسقة و التعبيرات المؤتلِفة و الأوزان المنسّقة يربطُ شاعرنا حُب أهل البيت مباشرة بالنبيّ فهم بقيّته في نهاية الأمر و نسبه و كما قال ( ص ) 'إنّ كلّ سبب ونسب ينقطع يوم القيامة، إلا ما كان من سببي ونسبي".

و بعد القصيدة الأولى التي جاءت كما قلنا في مدح النبي و بيان فضله على الانسان و البلاد و بعثه(ص) بالقيم الربانية الاخلاقية انتقل الشاعر بقصائد توقدُ بروعتها الشاعرية القلبَ و توقظ العقلَ و تبيّن في نسيجها ما جاء في فضائل الامام علي و الامام الحسين و فاطمة الزهراء و الامام الكاظم و كذلك ما تعرّضت له الصفوة أحياناً مِن حسد الحُسادِ و كُره الضالين بإسلوب شيّقٍ يبعث على المواصلةِ و الاستمرارية و التشوّق لإكمال ما يصفه الشاعر بسلاسةٍ و انشراح و بساطةٍ و انفتاح.

الشاعر و الاحداث التاريخية

اود لفت النظر بلفتةٍ نقدية غير مخلةٍ الا و هي أن الشاعر يتعامل مع الحدث التاريخي المنقول بالمشهور من الروايات تعامل الشاعر المؤمن المُعتقد المملوءِ بالعاطفة الجيّاشة لا الشاعر المُبلوِر المدقق الكثير الاقتباس و النقل التاريخي في شعره،فهو يأخذ حدثاً مشهوراً و يصف ما انطبع فيه لا ما هو واقعٌ أو دقيق في كثير من الروايات خصوصا تلك التي حولها نقاشٌ و اختلاف.

كما يستخدم الشاعر الأحداث التاريخية و يمزج عاطفته المتقدة فيها ناقلاً الصورة الرمزية لمكانٍ أو آلةٍ و يعبر عنها شاعريا،مثل " السجن " و " السيف " و " الظلم و قد عبّر الشاعر عن مثل هذه الرمزية في عدة مواضع اذكر منها على سبيل المثال لا الحصر :

* معاتبة الشاعر لإبن شاهك السندي القائد العسكري الذي أشرف على سجن الامام الكاظم

و تحملت وزراً فادحا يا ابن شاهك

و اصبحت خصما للنبي و فاطمِ

أليس الذي ضيّقتَ سجناً لحبسهِ

سليل حماةِ الدين اهل المكارمِ

أليس الذي اعددت سماً لقتله

حفيد رسول الله صفوة ادمِ

* وصف سيف عبدالرحمن ابن ملجم :

سيف ابن ملجمٍ اي سيف فجيعةٍ

يسقيه شكل قاتلا و يعربدُ

يتربص الساعات محموم الخطى

سيف الشقي و حقده لا يغمدُ

*تصويره أهل البيت في الطف :

رأيتُ بالعين بل يا ليتها عميت

طفل الحسين و قد أودى به السقمُ

رأيتُ زينب و الاطفال افزعهم

رأس الحسين و فوق الرمح يخترمُ

لمْ يكنْ ذكر أهل البيت عند شاعرنا وسيلةً للنجاة و حسب إذ إن هناك سبب آخر يغوص في باطن أحاسيسه و هذا السبب يتمثّل في بثّ الشكوى عند المرقد خصوصاً الشكوى من الزّمن و نوائبه و ما تفعل السياسة و دواهيها و هو يستحضر ربطاً نفسيا و تاريخيا مهماً يجعل من مناجاة العترةِ تقويماً للواقعِ الفوضوي مع إضفاء طابع الثبات و المبدئية للنفس و هواها في محاولةٍ لتصفية الأدران التي عايشتها نتيجة الواقع و الظروف المفروضة من حروبٍ و أزمات اقتصادية و صراعات تلقى بظلالها على منظومة التفكير الاجتماعي.

و يصف ذلك كله في قصيدته و هو يقف على أعتاب ضريح الخليفة علي بن ابي طالب ( رض ) :

أستلهم الذكرى و طيب أريجها

فيها لنا من محنة الدنيا سكنْ

أشكو إليك زماننا و صروفه

فإذا رددتَ شكاتنا أشكو لمنْ ؟

في أمّة الإسلام عاثت أذؤبٌ

و تديفُ سما للمغفّل بالسمنْ

و يقول و هو يشكو للخليفة الشهيد، ألاعيب السياسة قائلا :

أشـكـو إلـيـكَ مـن الــزمـان ِ وأهـــــلــهِ

ومـن الــســيـاسـة ِ شُـلـَّـةٌ تـتـحـــشـّــدُ

سـرقـوا خـراجَ المـسلمـيـنَ ومـالـَهــمْ

بـاسـم ِ الـديـانـةِ والــديـانــةُ أبــعــــــــدُ

يـتـمـشـدقــون وبــالــديــانـةِ زلــــــفــةً

وعــلـيــهــمُ مـنْ كـــلِّ مــنـــكـــرةٍ يــدُ

تربة الطف

من تربة النّجف يتحول الشاعر لتربة الطف و يستذكر مأساة عاشوراء كما يصف الحدث التاريخي برمزية عالية يتخللها الوجع و الألم المتجدد و المنادي برسالة العدل الإلهي الذي بشّر به النبي (ص) ليكون مشكاةً للعالمين،

يا تربة الطف يا حمراء ثانية

اسقيك دمعي اذا لم تسقيك الديمُ

يا تربة الطف يجري في جوانبها

من كوثر الخلد ماءٌ دافقٌ شبمُ

يا تربة الطف يا جرحاً ينازعني

من قبل ألفٍ و نيفٍ ليس يلتئمُ

كما يصف في قصيدة أخرى بأنه يذوب عند ذكر الهواشم و يمسح خدّيه بتراب المناسم و كل ذلك للدلالة على ما في مكامنه من إثر اهل البيت و حزنه على من ظُلم منهم فقال :

فكلُّ مقيمٍ ليت شعـــري لضاعنٌ

وإن سالمَ الاقتدارِ ليــــس بسالمِ

وإني وإن كنتُ الجليدَ على الاسر

أذوبُ دموعًا عند ذكر الهـــواشمٓ

وإني وإن كــنتُ العــــزيزَ بقـــومه

لأمســح خدّي في تراب المناسمِ

و هذه الابيات المكتوبة على البحر الطويل البحر الاكثر شهرة من بين بحور العروض الستة عشر تذكرنا بالقصيدة الرائعة لأبي العلاء المعري " ألا في سبيل المجد" و التي جاء فيها :

وإني وإن كنتُ الأخيرَ زمانُهُ

لآتٍ بما لم تَسْتَطِعْهُ الأوائل

وأغدو ولو أنّ الصّباحَ صوارِمٌ

وأسْرِي ولو أنّ الظّلامَ جَحافل

وإني جَوادٌ لم يُحَلّ لِجامُهُ

ونِضْوٌ يَمانٍ أغْفَلتْهُ الصّياقل

و لا يكتفي الشاعر بهذا الحزن المتجدد بل هو يصف نفسه بأنه قد أضاع رشده إلا في البكاء و أنه مهما تمضي السنون سيبقى على هذا العهد و الإخلاص و بكلماته:

أضعت الرشدَ الا في بكائي

على تلك المغاني و السهوبِ

و لي قلبٌ تثبتَ في هواهم

فما أخشى لطارقة الكروبِ

سأبذل ما حييتُ على حسينٍ

دموع العين تطفيه من لهيبي

نعم يستذكر شاعرنا تلك المأساة التي خلدّها التاريخ و الشعر لتبقى كلمة الحقّ هي العليا و إن الباطل لابد و أن ينهزم و أنه لابد أن ينجلي الليل لتشرق الشمس و يزول ظلام الظلم،و قد وصف الرسول الظلم حقاً بأنه سيكون ظلمات يوم القيامة فقال (ص) (اتَّقُوا الظُّلْمَ؛ فإنَّ الظلمَ ظُلُماتٌ يوم القيامة) و أنها محرمة بلا شك في الشرع الحنيف فقال النبي فيما يرويه عن الله (يا عبادي، إني حرَّمْتُ الظُّلْمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم مُحرَّمًا؛ فلا تظالموا)

فاطمة الزهراء

يترجم الشاعر قصيدة في فاطمة الزهراء البتول عنوانها " الى بنت الرسول هفت قصيدي " مطلعها

هي الزهراء نورٌ من أبــــــيها

أضاء الكون تـــورثه بنيــــــــها

و من طهر السماء بها سماتٌ

سماتٌ كالمــــلائكِ تنتـــــقيها

و هذا المدح قليلٌ بحق سيدة نساء العالمين،فهي أم الحسنين بقيّة الرسول الأمين و قد سماها الرسول ببأم أبيها و أودعها ذلك السر المهيب بأنها أول من ستلحقه كما كانت ( رض) أشبهها بأبيها و في الرواية الصحيحة عن أم المؤمنين عائشة(رض) قالت "ما رأيتُ أحدًا أَشْبَهَ سَمْتًا ودَلًّا وهَدْيًا برسولِ اللهِ في قيامِها وقعودِها من فاطمةَ بنتِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالت وكانت إذا دَخَلَتْ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قام إليها فقَبَّلَها وأَجْلَسَها في مَجْلِسِهِ وكان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا دخل عليها قامت من مَجْلِسِها فقَبَّلَتْهُ وأَجْلَسَتْهُ في مَجْلِسِها ".

موسى الكاظم

و بعدها يصف الشاعرُ الامامَ موسى الكاظم هذا الإمام الذي "يدعى العبد الصالح من عبادته واجتهاده . روى أصحابنا أنه دخل مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فسجد سجدة في أول الليل ، فسمع وهو يقول في سجوده : عظم الذنب عندي فليحسن العفو من عندك ، يا أهل التقوى ، ويا أهل المغفرة . فجعل يرددها حتى أصبح"

يرثي شاعرُنا الامامَ و دموعه تملأُ حروفه حتى وصف ما عاناه في فترة من حياته بعد الإقامة الجبرية بأنها نموذج من الصبر المستمر و هذا الصّبرُ إنّما يمثّل قوة الإيمان بوجهِ استبداد السلطة و روحانية الثباتِ بوجه لوثات الأنا و تقوقع الذات لدى كثير من الساسة و القادة الذين يغلب عليهم طابع الحزم الشديد الممزوج بالعنف المذموم و الداخل شرعاً بالمكروه غير المشروعِ.

و اسم النص هو " سلاماً ايها الصبر " و يبتدأ شاعرنا بمدحٍ يخالطه الحزن و الذكريات،فالإمام في الذاكرة العراقية يمثّل الصرخة المستمرة أمام الظَّلَمة،هو الوجه المنير المنافح عن سلطة الحق عن الشرع المبين و آيات الإيمان العظيم،و هو فوق كل ذلك السجينُ الذي لم يستسلم لنَيرِ الظروف.

تعاليت لم تخضع لسيف حاكم

وحاشاك ان تمدد يديك لظالمِ

وابديت غيـــــظا تارة وكظمــته

فبوركت من باد لغيظ وكاظـــمِ

واسست بالتقوى اصول عقيدة

ونافحت عنها كل علجٍ وغاشــمِ

إنّ ما سبق من الرثاء الذي قدّمه الشاعر حول أبرز رجالات أهل البيت له أبعاد نفسية تكوينية كما قلنا و هي ليست غريبة على الشعر بل هي إشراقاتٌ تمثّل الرّفض الممزوج بالدلالة المقدسة إذ أن " حالات الرفض التي استحضرها الشعراء ليواجهوا بها حرية هذا الزمان واشتداد الطغيان فيه هي إشراقات الوعي والشهادة في سبيل الحرية. وإذا كانت هذه الرموز غائبة عن الرصمث من الكتب فإهنا حاضرة في صدور الناس و وجدانهم تمثل احتجاجهم على هذا الواقع".

المشـاهدات 22   تاريخ الإضافـة 28/07/2026   رقم المحتوى 72621
أضف تقييـم