الأحد 2026/10/11 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 35.95 مئويـة
نيوز بار ›
شعرية الصدمة وهندسة الانزياح قراءة نقدية شمولية في ديوان -صفعة على وجه الغياب-
شعرية الصدمة وهندسة الانزياح قراءة نقدية شمولية في ديوان -صفعة على وجه الغياب-
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب أياد النصيري
النـص :

تنبثق التجربة الشعرية للدكتور كرار حداد في ديوانه (صفعة على وجه الغياب) (منشورات الزمن، 2025م) من لحظة كشف وجداني عاصفة ترفض المهادنة مع الفراغ وتأبى الاستسلام لسلطة النسيان. إننا أمام رؤية نقدية ونصوصية تصنع من الوجع الإنساني والانتظار والاغتراب الذاتي مادةً حية للاشتعال، وتتخذ من مواجهة الغياب مساراً صريحاً لاستعادة الحياة عبر سحر الكلمة وجسارة المجاز.

تبدأ الشعلة الأولى من العتبة النصية والإهداء المكثف الذي اختزل فيه الشاعر كينونة النص ورؤيته بأكملها حين كتب

«لا تحاول أن تفهمني.. فالحرائق لا تشرح نفسها، هي فقط تلتهم، ثم تبكي من شدة النسيج!»

نقدياً، يمارس الشاعر هنا -انزياحاً دلالياً- مركباً من خلال دمج عينين متضادتين- (فعل الاحتراق/التهم) و(فعل البكاء/النسيج). تحويل -الحريق- من عنصر تدميري صامت إلى ذات فاعلة -تبكي- ومنحه خاصية الانفعال البشري، يُسقط الفاصل بين المعنى والمبنى. فالشعر هنا ليس مجرد وصف بارد للواقع أو استرجاع هادئ للذكريات، بل هو فعل احتراق ذاتي وإعادة تشكيل مأساوي للوجع. تحول (الشاعر/الحريق) إلى حالة وجدانية لا تُفسر بالتقطير التقريري، بل تُعاش في أقصى تجلياتها الانفعالية. ومن هذا  الشاخص، يأتي عنوان الديوان ليكون صرخة تمرد وثورة وجدانية؛ فالصفعة ليست مجرد رد فعل عابر، بل هي موقِفٌ شعري يرفض أن يمر الغياب ثقيلاً دون أن يترك فيه الشاعر أثراً جلياً وشاهداً على حيوية العاطفة.

تتجلى جماليات هذا الديوان في قدرة الشاعر على اقتناص الصور غير المتوقعة ورسم اللوحات الحسية المركّبة التي تتنفس بحرارة الشجن. ففي قصيدة الساعة السوداء»، ينتقل التحليل النصي لفك تشفير البنية الاستعارية وتجسيم المجرد، حيث يتحول الزمن من مقياس مجرد إلى كائن ضارٍ يمارس قسوته على النفس:

(تلهثُ كأنها كلابُ الزمانِ.. تجرّنا بسباط اللحظات القاسية)

(نحملُ على جِباِهنَا ثِقْلَ العمرِ.. كأحلامٍ منسيةٍ في ميدانِ حياةٍ ركيكةٍ)

يعتمد النص هنا على -التجسيد- فالزمن ليس مفهومًا مجردًا أو خطًا زمنياً عابراً، بل تم تحويله نصوصياً إلى -كائن ضارٍ يلهث- وله -سياط- استخدام حركة الفعل (تلهث/تجرّنا) يمنح الصورة الشديدة القسوة ديناميكية حركية تضع القارئ داخل المشهد المأساوي. ثم يأتي الانزياح الثاني في (ثقل العمر) المحمول على (الجباة)، ليحول -العمر-من فكرة زمنية إلى كتل ومحمولات مادية تجرها الذات العاجزة في ميدان -الركاكة- وهو ما يرفع من المنسوب الدرامي داخل السطر الشعري.

لكن هذا الأسى لا يلبث أن يفتح نوافذه لنور الحب والعاطفة المشتعلة، ففي مقطوعة (لأنكِ جئتِ... وتغير الكون) تتجلى جمالية التضاد وتقنيات البعد والقرب، حيث يرمم الشاعر تصدعات الروح بالرقة

(كانت أحلامُنا بعيدةً.. كأنها نجومٌ نُحدّقُ فيها ولا نَطالُها)

تُبنى الصورة الشعرية هنا على ثنائية بصرية- (التحديق/العدم) مقابل (الرغبة/المسافة). عمقها النقدي يكمن في تحويل -النجم- من رمز للجمال المطلق إلى أداة لتعميق الإحساس بالعجز والمسافة. البناء التراتبي للسطر الشعري يتدرج من الاتساع (الأحلام البعيدة) ليضيق حثيثاً نحو بؤرة الحرمان (لا نطالها)، مما يخلق إيقاعاً نداءياً مكسوراً بين النجم النائي والعاطفة المشتعلة التي تحاول اختراق العتمة.

وتتبدى شعرية الانكسار والاعتراف بكثافة عالية حين تعود الذات لتتأمل موقعها في هذا العالم بكبرياء مجروح وبوح شفاف كاشف

(أنا ذهولُ الخاسرين.. أنا طعمُ الدمعِ.. ولكني لستُ أولَ من يذنبُ)

نصياً- يرتكز السطر على التكرار الإسنادي (أنا.../ أنا...)، ولكن العصب النقدي هنا يكمن في التركيب الاستعاري اللامألوف فالشاعر لا يقول (أنا خاسر) أوأنا )أبكي) بل يماهي ذاته مع المفهوم المجرد (ذهول) ومع الحاسة الحسية (طعم الدمع). جعل الذات هي -الطعم- و-الذهول- بحد ذاتهما هو تكثيف بلاغي يحول المأساة الذاتية إلى حالة كليّة. وتأتي القفزة النصية في الشطر الأخير (ولكني لستُ أولَ من يذنبُ) لتُحْدِث انزياحاً في التلقي، منكسرةً عن البكائية التقليدية نحو كبرياء الاعتراف والمواجهة.

إن الشاعر يجيد اللعب على أوتار جدلية (الأنا والآخر) فالآخر لديه — سواء كان الحبيبة- أو الوطن- أو الملهمة الغائبة — يتجسد كحضور دائم يرمم الفراغ. وفي قصائد مثل (في محطة ما) و(ذاكرة لتابوت محمول) نلمس كيف يتجذر الانتظار كحالة وجودية عبر بنية الصورة المفارقة

(على خلاف المتضرعين والعباد... لم تشرقي وقتاً طويلاً بالدعاء)

تتحرك البنية النصية هنا عبر صياغة المفارقة الوجدانية- فالشاعر يستعير لغة الشقاق والتضرع الديني (المتضرعين/العباد/الدعاء) ويسقطها على فعل الحضور والغياب الإنساني. الانزياح يتشكل في قوله (لم تشرقي بالدعاء) حيث جعل -الشروق- نتيجةً للدعاء، لكنه إشراقٌ خائبٌ لم يتحقق، مما يحول نص الانتظار إلى محاكمة شعرية شفافة مع الفقد. وهذا الأسلوب الشفيف يمتد أيضاً إلى التقاط المشهديات اليومية البسيطة واللحظات الإنسانية العابرة كما في قصائد (عنادك العذب) و(الوقوف الأخير أمام المراة) و(المكان الذي لا يعرفه الأحد) فيكسوها ثوباً أدبياً يتدفق بالدفء والحيوية

تعتمد البنية الفنية لدى الدكتور كرار حداد على السهل الممتنع والتكثيف الموسيقي العالي- حيث تتآلف أسطر قصيدة التفعيلة واللمحات النثرية المكتنزة بالدلالة في إيقاع يتسم بالنغمة الحزينة المتسامية. مفرداته قريبة من الهمس الوجداني، تبتعد عن التعقيد المفتعل لتصنع بلاغة من الشفافية والمكاشفة. وفي معظم مقاطعه، يفاجئ الشاعر القارئ بصدمة مشتعلة في النهايات، تترك خلفها صدى طويلاً وأثراً لا يُمحى.

 

 

 

 

المشـاهدات 261   تاريخ الإضافـة 11/10/2026   رقم المحتوى 72756
أضف تقييـم