رواية "شايف البحر؟" لجمال حيدر
انتظار مرير على هامش الحياة
![]() |
| رواية "شايف البحر؟" لجمال حيدر انتظار مرير على هامش الحياة |
|
فنارات |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب نزار عدنان جواد |
| النـص : عبر موضوعة الهجرة غير الشرعية في قوارب الموت السرية من سواحل شمال أفريقيا وصولاً إلى جنوب أوروبا، التي تعرف بالدارجة بالحراقة "الحراكة" يبحر بنا الروائي جمال حيدر في عمله الجديد (شايف البحر؟) الصادر حديثاً عن دار لندن للطباعة والنشر. وانطلاقاً من حلق الواد، المدينة الساحلية الآسرة الواقعة في الضاحية الشمالية لتونس العاصمة، تبدأ الحكاية بنسج خيوطها الأولى على منوال الأيام والأحداث التي ستأتي، وهنا يتصدى الروائي في خطوة جريئة إلى ظاهرة اجتماعية بعيدة عن موطنه الأصلي، العراق، أو محل اقامته في لندن، هذا التحدي عادة ما يفتح عين القارئ المحلي، والناقد كذلك، للتمعن في مكامن قوة النص وأوجه الضعف إن وجدت فيه. مع ذلك، فإنّ حيدر ليس غريباً على بيئة أحداث هذه الرواية، إذ كان مُلماً بالمساحة السردية التي دارت فيها الاحداث، وقد خبر طبائع أهلها وأتقن لهجتها المحلية مستعيناً بها في الحوارات المتعددة التي احتوتها الرواية. يوسف بن سالم، الشخصية الرئيسية في العمل، شاب من حلق الواد في أواخر العشرينيات من العمر، يحمل شهادة جامعية في الفلسفة، إلا انه عاطل عن العمل ويعاني من شظف العيش، متحملاً عبء إعالة والدته المريضة. يرث يوسف، من دون رغبة منه، مهنة والده المتوفي صيد الأسماك في قارب بدائي بعد أن عجز في الحصول على وظيفة في مجال اختصاصه، تعتريه مشاعر الإحباط من واقع مؤلم، وطموح في حياة أفضل في دول الشمال الأوروبي، هكذا كانت البدايات التي أبرزها الروائي في الفصول الأولى من الرواية: "لست وحدي، هناك الملايين غيري يحاولون الفرار من أوطانهم، من أسمائهم، من ماضيهم، من وجوههم، صدقوني لست انا الوحيد في هذه البلاد". ص 16 يتعرف يوسف مصادفة على ناتالي، السائحة البلجيكية، التي تستأجر قاربه في نزهة بحرية، لتنشأ بينهما علاقة حب وطيدة في بعد أول لقاء على شاطئ حلق الواد، تتطور العلاقة لتصبح الدافع الرئيسي الذي يقود يوسف إلى اتخاذ قرار الرحيل، في رحلة الموت عبر المتوسط، سعياً الى تحقيق حلمه الأوروبي، ليصل في نهاية المطاف الى حبيبته في بروكسل. تنتقل الرواية في نصفها الثاني إلى بروكسل لتصور لنا تداعيات التكيّف مع بيئته الجديدة وتأثيرها على نفسيته وعلاقته بناتالي، والاختلافات التي تخلق تحديات في الحفاظ على هذه العلاقة، ليتعرف القارئ في الفصول التالية من الرواية على شخصية سعيدة، "نخلة تونسية نبتت في تربة غريبة"، صديقة ناتالي، والمقيمة منذ أمد طويل في بلجيكا، ويظهرها السرد كمثال للتكيف مع التحديات التي تواجهها من دون فقدان هويتها التونسية. تقدم لنا الرواية شخصيات مستمدة من الواقع المعاش في ظروف اجتماعية مختلفة يسهل التعرف عليها، واستعرضت كذلك تفاصيل دقيقة حول طبيعة الأمكنة التي دارت فيها الأحداث، وبهذا تتبع الرواية بناءً سردياً متسقاً تتوالى فيه الأحداث بشكل تصاعدي، لتصل الحبكة إلى الذروة ثم تأخذ بالتراجع شيئاً فشيئاً وصولاً إلى الخاتمة، وهنا لا يجد القارئ أساليب ما بعد حداثية فيما يتعلق برسم الاحداث والشخصيات، فالصوت الرئيسي في الرواية هو صوت الراوي العليم، فيما ينتقل في بعض الفصول، مع انتقال السرد إلى لسان يوسف، الشخصية الرئيسية. تميزت فصول الرواية، سبعة والعشرين فصلاً، بعتبات نصية تنوعت بين اقتباسات شعرية ونثرية، كلمات أغان، أمثال شعبية محلية، وحكم قديمة، حيث كانت بمثابة دلالات على المنحى العام الذي يسيطر على أجواء الفصل المعني، ومحددة لنا سير الأحداث فيه. وأودّ الإشارة هنا إلى أن أكثر ما يجذبني في روايات حيدر هو أسلوب السرد المسترسل في الوصف وبلغة شعرية جذابة: (البحرَ ليس جوفاً ممتلئاً بالماء، وموجات متلاطمة، وعمقاً معتماً يحتضنُ الأرواحَ ليأخذها بقدرٍ كبير من القسوة إلى دهاليزه، أنه امتدادٌ طبيعي للأرض، امتداد هشٌّ لها، ينقل رسائل خفيّة بين ضفافها البعيدة، ينحسرُ أحياناً ليكشف عن عري أكتافها بغنجٍ مفضوح، سرعان ما يغطيها بحنينٍ جارف. البحر يحمل معه ذاكرة الأرض أينما ارتحل، يخضع لها.. لحلمها، لكنه يتمرّد أحياناً على سكونها، يمدُّ أصابعه مدغدغاً خاصرتها الرخوة. تغيب الارض، تختفي بعدما يكتسحها ذلك المزاج المفاجئ.. والثقيل) ص 8. وفي مشهد آخر لا يقل شاعرية: (لمْسَتُها كانت عناقا حميمياً بين كفين، رجفة تمر خاطفة لتقطع المسافة من الكف عبر الذراع والصدر لتصل إلى القلب، لمسةٌ طبعت في ذاكرته معنى الهيام). ص 50 ما يؤخذ على الرواية، وبرأيي المتواضع، هو الكيفية التي صيغت بها الشخصيتين الرئيسيتين: يوسف وناتالي. يظهر يوسف، وبصورة مبالغ فيها، خالياً من الخطيئة، كمجموعة كبيرة من الصفات المثالية والسمات الأخلاقية العالية التي تتناقض مع طبيعة الصراع الداخلي الذي يعيشه، والذي حاول السرد أن ينقله للقارئ عبر صفحات الرواية. فهو شاب مثقف ذو حس إنساني مرهف، رومانسي حد النخاع، يعشق وطنه حتى في أحلك اللحظات وهو يواجه موتاً كاد أن يكون محتماً، مخلصاً لعلاقته من دون أن يلوثها بطعم الخيانة. لا خسارة تعوض فقدان وطن (آه يا تونس يا بلادي التمسك بأصابع كفيف، كم هي عسيرة المسافات بيننا، لكنني سأصلكِ بعد سويعات، انتظريني، اتعهد لك بأنني سأرتق الاحلام التي مزقتها رياح النزق وقلة الحيلة. انتظريني). ص 250 على الطرف الآخر تظهر لنا شخصية ناتالي في ثنايا السرد كفتاة جميلة مثقفة من الطبقة الوسطى، والدها أستاذ جامعي ووالدتها مدرسة آلة البيانو، تعاني من شعور عميق بالوحدة يدفعها إلى الانتقال إلى بروكسل والاستقلال بحياتها والاعتماد على نفسها بعيداً عن عائلتها. هكذا شخصية لا يمكن تصورها سوى كرمز للقوة والاستقلالية، تملك قدرة على تحديد مسار حياتها، إلا أن ذلك يتناقض مع وقوعها بعلاقة حب بعد اللقاء الأول مع شخص غريب، ذو خلفية أثنية واجتماعية مغايرة، وفي أرض بعيدة، علاوة على تعلقها العاطفي بيوسف والذي يفوق الحد المعقول في بعض الأحيان، واتخاذها له خليلاً لإشباع رغباتها الجنسية التي لم ترو ظمأها علاقاتها السابقة: (السرير فهو عشقي الدائم، أتلوّى عليه عارية، ثم أغرق في غياهب الحلم بجسدي الذي وهبته لرجال عدة، مرّ عليه عشاق وأصدقاء في لحظات زمنية عابرة، بعدما طبعوا عليه قبلاتهم وملمس أكفهم، وتركوا رائحتهم في كل طيّةٍ فيه). ص 124 يعثر القارئ في النص على مقاطع يعبّرُ فيها الكاتب عن رأيه من خلال الشخصيات، ليشتت فيها انتباه القارئ (الراوي المتدخل) أو ما يطلق عليه بالإنكليزية )Intrusive Narrator) ما قلل من عمق التفاعل مع النص من دون إضافة رئيسية إلى الحبكة. ففي هذا المقطع مثالاً، لا يكتف يوسف بتذكر آثار بلاده فقط عند رويته لأثار قديمة في صقلية، إنما يستطرد في وصفٍ لحضارة وادي الرافدين: (هناك على تلك السواحل نشأت أولى الحضارات، وعلى ضفاف مدن الشرق البعيدة التي يخترقها نهران، دوَّن الإنسان أبجديته الأولى، وأبدع بمهارة في سن القوانين، واخترع العجلة التي نقلت الحضارة إلى حواضر أخرى. الناس هناك يشبهون معالم مدنهم. انهم صورتها المرئية في عيون الحياة). ص 145. وفي مشهد آخر يصف السارد شعور يوسف وهو يستمع لأول مرة إلى موسيقى الجاز الإيرانية (من أين يأتي هذا الدفق، موسيقى مشوبة بالفرح لكنها تقطر حزناً، جمل نغمية منفلتة لم ينصفه القدر أن يسمع مثل هكذا موسيقى، إنها السياسة بخبثها وشيوع العمى الطائفي) ص 174 يمكننا القول إن جمال حيدر، وبالرغم من بعض الملاحظات التي سلطنا عليها الضوء، قد نجح عبر تجربة سردية ثرية، في إصدار عمل ادبي، تجاوز توثيق الواقع وأضفى عليه عمقاً ومعنى، وبلغةِ سردٍ شعرية رصينة.
|
| المشـاهدات 69 تاريخ الإضافـة 13/10/2026 رقم المحتوى 72881 |
أخبار مشـابهة![]() |
صوت العراق القرآني على منصة العالم.. قارئ من البصرة يحصد مركزا دوليا متقدما في ماليزيا |
![]() |
الزيدي يوجه برفع مستوى الجاهزية القتالية إلى أعلى المستويات |
![]() |
العثور على 119 قطعة أثرية بينها عملات عباسية بمساعدة مواطن |
![]() |
تصريحات نفطية متفائلة ولكن الواقع مرير |
توقيـت بغداد









