هيكل: شاهد أم صانع؟
الجزء الثالث: ما بعد عبد الناصر… حين تغيّر الموقع وبدأ الصدام
![]() |
| هيكل: شاهد أم صانع؟ الجزء الثالث: ما بعد عبد الناصر… حين تغيّر الموقع وبدأ الصدام |
|
كتاب الدستور |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب رياض الفرطوسي |
| النـص :
برحيل جمال عبد الناصر سنة 1970، لم تفقد مصر زعيمها فقط، بل فقد محمد حسنين هيكل أيضاً الأرض الصلبة التي وقف عليها سنوات طويلة. الرجل الذي عاش في قلب السلطة، وكتب خطاباتها، وصاغ روايتها الرسمية، وجد نفسه فجأة أمام واقع جديد: رئيس جديد، بطباع مختلفة، وطموح لا يقبل الشراكة… اسمه أنور السادات.
في الأيام الأولى، بدا هيكل ناصرياً حتى العظم. وحين قرر السادات الانقلاب على مراكز القوى الناصرية، وعلى مجموعة علي صبري، لم يقف هيكل في صف أصدقائه القدامى، بل كتب ثلاث مقالات شهيرة بعنوان (السادات وثورة التصحيح). في هذه المقالات، قدّم السادات باعتباره رجل القرار والحسم، وبارك سجنه لرفاق الأمس، أولئك الذين كانوا بالأمس القريب جزءاً من دائرته هو نفسه.
هنا، يظهر وجه هيكل بوضوح: الصحفي الذي كان في عهد عبد الناصر أشبه ب(المهرّج الرسمي) لكل ما أرادت السلطة تمريره للرأي العام، انتقل بسلاسة ليبارك انقلاب السلطة الجديدة على القديمة. لم يكن ولاءً، بل تموضعاً ذكياً… أو هكذا ظن.
لكن السادات لم يكن عبد الناصر. وأول ما فعله، أنه كسر امتياز هيكل الرمزي. قرر إذاعة مقالات كل رؤساء التحرير في الإذاعة، بعد أن كان مقال هيكل وحده يُذاع وكأنه بيان رئاسي. ثم جاءت الضربة الأشد: منع إذاعة مقالات هيكل تماماً.
كان الأمر بالنسبة لهيكل إهانة شخصية. قال للسادات بمرارة:
(لم يعاملني أحد بهذه القسوة من قبل)
لكن السادات لم يتراجع. بل بدأ يرى في هيكل خطراً، لا صحفياً فقط، بل شريكاً محتملًا في الحكم من بوابة الإعلام. وحين حاول هيكل الضغط والابتزاز الناعم عبر النقد، حذّره السادات صراحة. إلا أن هيكل لم يتوقف، لأنه لم يكن ينتقد من أجل المبدأ، بل من أجل استعادة مجده وموقعه.
في عام 1974، حسم السادات الأمر: أقال هيكل من رئاسة تحرير الأهرام، وألقاه في ما سُمّي ب(ثلاجة المستشارين)؛ منصب شكلي بلا تأثير. هيكل رفض. أصرّ على العودة إلى الأهرام. لكن رد السادات كان قاطعاً:
(بمنعة ان يكون قريبا وشريكا في الحكم كما كان في عهد عبد الناصر).
من هنا، تحوّل الخلاف إلى عداء مفتوح. في 1978، مُنع هيكل من السفر، وبدأ التحقيق معه بتهمة نشر مقالات تسيء إلى مصر. وفي سبتمبر 1981، جاء المشهد الذي لم يتخيله يوماً: محمد حسنين هيكل في السجن، ضمن حملة الاعتقالات الجماعية المعروفة بـ(اعتقالات سبتمبر). لأول مرة، تذوّق مرارة القمع الذي طالما برّره أو صاغ لغته للآخرين.
بعد اغتيال السادات، خرج هيكل من السجن، وبدأ مرحلة الانتقام بالقلم. كتب كتابه الأشهر(خريف الغضب)، وفيه لم يكتفِ بنقد السادات سياسياً، بل انزلق إلى اغتيال شخصي فجّ، حين ادّعى أن أم السادات كانت (جارية). ثم ذهب أبعد من ذلك، حين اتهم السادات — في حوار على قناة الجزيرة — بأنه دسّ السم لعبد الناصر. رفعت عائلة السادات قضية ضده، فتراجع، وقال عبارته الشهيرة الملتبسة:
(أنا لم أقل… أنا سمعت وقالوا).
هكذا كان هيكل دائماً: حين تُسأله الوثائق، يختبئ خلف الرواية. وحين يُطالَب بالدليل، يلوذ بالغموض.
في عهد حسني مبارك، بدا المشهد أقل صدامية، وأكثر براغماتية. عاد هيكل للكتابة، وانتقد النظام أحياناً بلهجة محسوبة، لا تقترب من الخطوط الحمراء. حافظ على صورة (المفكر المستقل)، بينما ظلت الأسئلة القديمة تطارده: عن ثروته، عن علاقاته، عن أدواره التي يضخمها، وعن التاريخ الذي كتبه… هل كان شاهداً عليه أم صانعه؟
كتب عنه مفكرون ونُقّاد كثيرون:
سيار الجميل رآه إشكالية معرفية أكثر منه مرجعاً.
أيمن شرف وصفه بـ(كاهن يبحث عن فرعون).
آخرون فككوا صورته، واعتبروه نموذجاً للصحفي الذي عاش عمره يتنقل من ظل سلطة إلى ظل سلطة، بذكاء لامع… لكنه بلا ثبات أخلاقي.
وهكذا، بعد عبد الناصر، سقط القناع بالكامل. لم يعد هيكل صوت الدولة، ولا صديق الحاكم، بل رجلٌ يصارع الزمن، ويعيد كتابة ماضيه كلما تغيّر الحاضر.
ويبقى السؤال معلقاً، أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: هل كان محمد حسنين هيكل ضحية السلطة… أم أحد أمهر صُنّاعها؟
هذا السؤال بالذات، هو ما سنحاول الاقتراب منه في الجزء الأخير… حيث التقييم النهائي، والميزان الصعب بين العبقرية والتزييف، بين الصحافة والتاريخ.
يتبع… |
| المشـاهدات 72 تاريخ الإضافـة 06/01/2026 رقم المحتوى 69544 |
توقيـت بغداد









