الخميس 2026/1/8 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 5.95 مئويـة
نيوز بار
هيكل: شاهد أم صانع الجزء الرابع والأخير: حين يكتب الشاهد التاريخ… ويصير هو المتهم
هيكل: شاهد أم صانع الجزء الرابع والأخير: حين يكتب الشاهد التاريخ… ويصير هو المتهم
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب رياض الفرطوسي
النـص :

في النهاية، لا يمكن التعامل مع محمد حسنين هيكل بوصفه سيرة مستقيمة أو شخصية بسيطة. نحن أمام رجل شديد التعقيد، بدأ حياته الصحفية بموهبة حقيقية لا يمكن إنكارها: مراسل شاب في أتون الحرب العالمية الثانية، صحفي لامع، ثم رئيس تحرير مجلة (آخر ساعة) وهو لم يبلغ الثلاثين. صعود مبكر، ذكاء حاد، وقدرة نادرة على اقتناص اللحظة.

 

لكن المشكلة لم تكن يومًا في الموهبة… بل في المسار.

 

منذ ما بعد ثورة يوليو، لم يعد هيكل مجرد صحفي يراقب السلطة، بل صار جزءاً من بنيتها، وأحياناً من لغتها، وأحياناً من عقلها. ومع هذا التحول، بدأت الأسئلة الثقيلة، التي لم تتوقف حتى بعد رحيله.

 

كتب محمد جلال كشك في (ثورة يوليو الأمريكية)، ولويس عوض في (أقنعة الناصرية السابعة)، عن تزييف وقائع، ونسب حوارات لم تُجرَ، وصناعة صورة ذهنية لعبد الناصر لم تكن بريئة تماماً. لم تكن هذه اتهامات هامشية، بل صادرة عن مثقفين من الوزن الثقيل، لم يكن بينهما وبين هيكل ودّ، ولا عداوة شخصية، بل خصومة فكرية.

 

ثم جاءت الروايات الأخطر.

 

ويلبر كراين، منسق البنتاغون في صفقات السلاح مع مصر في عهد عبد الناصر، كتب في كتابه (حبال في الرمال) أن المخابرات الأمريكية جنّدت هيكل منذ أوائل الخمسينيات. اتهام بالغ الخطورة، لم يرد عليه هيكل نفياً قاطعاً، ولم يدخل معه في سجال علني، بل تركه معلقاً… والصمت هنا كان أبلغ من أي دفاع.

 

في 21 مايو 1978، نشرت جريدة الجمهورية تقريراً عن وثائق أمريكية سرية تتحدث عن تقديم هيكل تقارير للسفارة الأمريكية بالقاهرة حول تطورات داخلية مهمة. اللافت أن اللواء محمد نجيب، أول رئيس لمصر بعد الثورة، أكد مضموناً مشابهاً في أحد حواراته، وقال إنه رفض لقاء هيكل في بداية حكمه بعد أن أبلغته المخابرات الحربية برصد اتصالات لهيكل مع أطراف إسرائيلية.

 

أما الفيلسوف فؤاد زكريا، فكتب في (عمر الغضب) أن هيكل كان على اتصال دائم بـ جيمس كليبر، الوزير المفوض في السفارة الأمريكية، لدرجة أن الأخير اتصل به فجراً يسأله عن صفقات السلاح السوفيتي. علاقة لا تشبه علاقة صحفي بمصدر، بل علاقة قناة مفتوحة.

 

ثم يأتي مايلز كوبلاند، ضابط الـCIA السابق، في كتابه (عالم الجواسيس)، ليكتب أخطر ما كُتب عن هيكل:

أن الرجل كان يتمتع بحرية كاملة في مهاجمة أمريكا إعلامياً، طالما كان “كريماً بالمعلومات”، وأن كثيراً من المقالات التي بدا فيها معادياً لواشنطن كانت أصلًا مسرّبة له من السفارة نفسها، في لعبة تبادل مصالح. ويضيف كوبلاند جملة صادمة:

 

(هيكل لم يقدّم لنا يوماً معلومة خاطئة… نحن ابننا لا يغلط أبداً).

 

بل يذهب أبعد من ذلك، فيقول إن هيكل كان أقدر من أي سفير أمريكي على إيصال “الكلمة الأمريكية” إلى عبد الناصر، حتى قالوا:

 

(لسنا في حاجة إلى سفير في مصر طالما هيكل موجود).

 

هل هذا كله يعني أن هيكل كان عميلًا؟

السؤال أعقد من كلمة واحدة. لكن المؤكد أن الرجل لم يكن مجرد شاهد بريء.

 

خارج مصر، تتكرر البراغماتية نفسها. علاقات واسعة مع الرؤساء العرب، من بغداد إلى دمشق، من طرابلس إلى الخليج. لقاءات مع صدام حسين، تقارب مع الثورة الإسلامية الإيرانية في بداياتها، حوارات مع الامام الخميني ورجاله، قراءة لكل سلطة صاعدة، ومحاولة دائمة للتموضع في قلب الحدث، لا على هامشه.

 

هيكل لم يكن معارضاً تقليدياً، ولا مثقفاً عضوياً بالمعنى الكلاسيكي. كان أقرب إلى لاعب شطرنج: يتحرك حيث توجد القوة، ويكتب حيث يُسمَع صوته، ويصمت حين يكون الصمت أنفع.

 

وهنا، تصل السلسلة إلى خلاصتها الأخلاقية قبل السياسية:

 

الخطر الحقيقي لم يكن في هيكل وحده،

بل في تأليه هيكل.

 

أن يتحول الصحفي إلى مرجع مقدّس،

وأن يُقرأ التاريخ من زاوية رجل واحد،

وأن نخلط بين البلاغة والحقيقة،

وبين الشهادة وصناعة الرواية.

 

الدرس الأهم من قصة محمد حسنين هيكل ليس إدانته ولا تبرئته،

بل تحرير العقل من عبادة الأشخاص.

أن نحب، نعم…

أن نُعجب، نعم…

لكن أن نُقدّس؟ لا.

 

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً، لأنه أكبر من أن يُحسم:

 

هل كان هيكل شاهداً على التاريخ؟

أم أحد أمهر من صنعوه… ثم كتبوه بطريقته؟

 

ربما كان الاثنان معاً.

وهنا، تكمن خطورته… وفرادته… وإرثه الذي لن يتوقف الجدل حوله.

المشـاهدات 50   تاريخ الإضافـة 07/01/2026   رقم المحتوى 69583
أضف تقييـم