قصة قصيرة
ذاكرة المكان![]() |
| قصة قصيرة ذاكرة المكان |
|
فنارات |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب |
| النـص :
حاتم حسين
خيوطُ الشمس الأولى تسكب دفئها على الساحة الواسعة تحت نصب الحرية. الرجلُ المسنّ، الذي يرقب حركة الساحة البطيئة، ضغط على زرّ مُكبِّر الصوت ليوقظ أحاسيس المارّين في هذا الصباح النديّ. الجهازُ الذي يعتاش عليه يشبه رفيقَ عمرٍ متعبًا؛ يحمل ندوب الشوارع وأيام الفقر، لكنه وحده يحتفظ بذاكرةٍ موسيقية لا تهرم. ضغط زرّ التشغيل، فانطلقت سمفونية عالمية في الهواء، متسلّلة بخفّة، ثم مرتفعة كروحٍ تحاول أن تنفض الغبار عن النفس والمكان. وفي اللحظة نفسها، مرّت فتاةٌ صغيرة برفقة أمها، متجهتين إلى المدرسة القريبة. كانت في السابعة من عمرها، تمسك يد أمها، وحقيبتُها تتأرجح خلفها كجناحٍ مبتلّ. وما إن لامست الموسيقى أذنها حتى توقّفت مندهشةً من حلاوة الإيقاع، كأنّ شيئًا خفيًّا فتح بابًا داخلها. رفعت ذراعيها بخفّة، وتصلّبت قدماها قليلًا، ثم سارت على رؤوس أصابعها، ومنها أخذت الخطوة التالية… خطوة راقصة تعلّمتها في صفّ الباليه. وفي لحظة خاطفة، تحوّلت الساحة أمامها إلى خشبة مسرح، وكأن المدينة بكاملها توقّفت لتفسح لها الطريق. لم يصدّق الرجلُ العجوز عينيه. للمرة الأولى منذ عقود يرى فنًّا يولد أمامه بلا خوف، ولا طلب، ولا مقابل. هو الذي درس الفنّ قبل أن تضربه الحياة وتدفعه إلى أرصفة النسيان… هو الذي رفض أن يُطوَّع لصالح السلطة، فخسر كراسي التدريس وربح ضميره. والآن يرى طفلة صغيرة تعيد إليه زمنًا طالما حلم أن تُصغي المدينة فيه للفن، لا للضجيج. بدأ المارّة يتوافدون ويتوقّفون: طلابُ مدارس، عمّال، موظفات، موظفون، رجال يركضون خلف أرزاقهم… الجميع أبطأ، ثم توقّف تمامًا. شكلوا حول الفتاة دائرة؛ دائرة لم يرسمها أحد بالطبشور ولا بالموانع البلاستيكية، لكنها بدت أشدّ صدقًا من كل الحدود المرسومة. الضوء الصباحي ينساب فوق جسدها، يتواطأ معها، فتتمايل قدماها وتنفتح يداها في انسجامٍ تام مع الموسيقى. وفي كل حركة، كانت ترفع رأسها نحو جدارية جواد سليم، تخاطب الرجل الذي جعل البرونز يحكي قصة ثورة: «ها أنا… طفلة صغيرة… أكمل ما بدأتَه.» بدت الجدارية أقلّ صلابة هذا الصباح؛ وجه العامل، ذراع الجندي، انحناءة الفلاح… كلّها كانت تؤدي دورًا آخر، وكأنها تستقبل فنًّا يولد أمامها. نسخهم البشرية التي أحاطت بالطفلة أعادت الحياة لتماثيلهم. اقترب رجلٌ خمسيني من العجوز، وانحنى يقول بنبرةٍ ممتزجة بالدهشة والامتنان: – أستاذ… عارف؟ ارتبك المسنّ؛ لم ينادِه أحد بهذا الاسم منذ زمن طويل. – من… أنت؟ – كنتُ أحد طلابك في المعهد. لم أنسَ دروسك يومًا. تسرّبت الحكاية بين الواقفين. لم يكن العجوز عابرَ سبيل؛ بل أستاذًا كبيرًا فُصل حين رفض أن يتحوّل الفن إلى إعلان سياسي. ومنذ ذلك اليوم صار الشارع بيتَه، والرصيفُ صفَّه الأخير. يمشي كل صباح، يبثّ مقطوعات عالمية للمارّة، كأنه يكتب درسًا جديدًا على الهواء: أن لا يتوقّف الفن في هذا البلد العريق، وأن هذه الساحة خُلقت لتبقى منصّة للروح. قرصُ الشمس وضع نوره على جبين الساحة في ساعاته الأولى. اهتزّت أحاسيس المتفرّجين، حتى الجدارية العائمة بدت وكأنها تُصغي للسمفونية. دخلت المقطوعة في حوارٍ دافئ مع رقصة الطفلة والنصب، وكأن الصباح اختار بعنايةٍ من يغنّي له ويحتفل به. لاحظت الفتاة نقطة ضوءٍ متوهّجة على الجدارية؛ فتحت معها حوارًا صامتًا، يرفّ قلبها كلما رفعت عينيها نحو النصب، والجمهور المحتشد شاهدًا على لحظةٍ نقية… لا تُصنع ولا تُعاد. أما المسنّ فكان قلبه يضطرب. شعر أن سنوات عمره كلها — محاضراته، ضحكاته مع طلابه، لوحاته التي لم يكتمل بعضها — قد تجسّدت في هذه اللحظة: في ارتعاشة قدمي الطفلة، في رفرفة ذراعيها، في معادلتها البسيطة والعميقة. كان قلبه يخفق كأنه يستعيد عمرًا كاملًا في لحظة واحدة. وأدرك — لأول مرة منذ زمن — أن ما يراه ليس مجرد رقصة، بل ميلاد وطنٍ صغير؛ وطن يُبنى من خطوة خجولة، ومن طفلة لم تخف، ومن رجل واحد رفض أن يسمح للخيبة أن تنتصر وتطفئ صوته. |
| المشـاهدات 1002 تاريخ الإضافـة 12/01/2026 رقم المحتوى 69737 |
أخبار مشـابهة![]() |
قصة قصيرة ..الست شُهب .. |
![]() |
جمرات المكان ....إصدار جديد لنصير الشيخ
|
![]() |
العتبة العباسية تطلق مسابقة القصة القصيرة ضمن مهرجان فتوى الدفاع الكفائي الثقافي العاشر |
![]() |
مؤسسة الإمارات للآداب، تعلن الفائزين بجائزة القصة القصيرة: «أصوات جديدة في الخيال العلمي» |
![]() |
عنتر وليلى.. مسلسل عراقي يروي قصة رومانسية بطابع كوميدي
|
توقيـت بغداد









