| النـص :
تتشكّل الممارسات التربوية في أي مجتمع ضمن سياق ثقافي عام يحدد ما يُعدّ مقبولًا ومرغوبًا، وما يُنظر إليه بوصفه هامشيًا أو غير ذي أولوية. فالتربية ليست مجرد مناهج مكتوبة أو خطط دراسية مُعلنة، بل هي انعكاس حيّ لمنظومة قيم ومعايير وتوقعات تتغلغل في الوعي الجمعي وتوجّه السلوك التربوي دون أن يُلتفت إليها دائمًا. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن الثقافة السائدة بوصفها قوة خفية تؤثر بعمق في المدرسة والمعلم والمتعلم، وفي طبيعة العلاقات داخل الفضاء التربوي، وفي مخرجات التعليم على المدى القريب والبعيد.الثقافة السائدة هي ذلك النسيج غير المرئي من الأفكار والعادات والتمثلات الاجتماعية التي يتقاسمها أفراد المجتمع، والتي تتجلى في اللغة اليومية، وفي أنماط التفكير، وفي صور النجاح والفشل، وفي نظرتنا للسلطة والمعرفة والعمل. وعندما تدخل هذه الثقافة إلى المدرسة، فإنها لا تفعل ذلك عبر بوابة واحدة، بل تتسلل عبر المناهج الخفية، وأساليب التدريس، وطرق التقويم، ونوعية التفاعل بين المعلم والطالب، بل وحتى عبر تصميم الصف وتنظيم الوقت المدرسي. وهنا يكمن الأثر الخفي الذي لا يُقاس بسهولة، لكنه يترك بصمته العميقة في تشكيل شخصية المتعلم.في كثير من المجتمعات، تسود ثقافة تمجّد الحفظ والاستظهار وتربط التفوق بالقدرة على إعادة إنتاج المعرفة كما هي. هذه الثقافة، حين تُترجم تربويًا، تؤدي إلى ممارسات تعليمية تركز على التلقين، وتهمّش التفكير النقدي والإبداعي. فيكبر المتعلم وهو يعتقد أن دوره يقتصر على تلقي الإجابات الصحيحة لا على طرح الأسئلة، وأن الخطأ عيب يجب تجنبه لا فرصة للتعلم. ورغم أن المناهج الحديثة قد تتحدث عن التعلم النشط وبناء المعرفة، إلا أن الثقافة السائدة كثيرًا ما تعيد إنتاج الأساليب التقليدية داخل الصف، فتظل الفجوة قائمة بين الخطاب التربوي والممارسة الفعلية.كما تؤثر الثقافة السائدة في صورة المعلم ودوره. ففي بيئات تُعلي من شأن السلطة الأبوية والتراتبية الصارمة، يُنظر إلى المعلم بوصفه مصدر المعرفة الوحيد وصاحب القرار المطلق، ويُتوقع من المتعلم الطاعة والانضباط أكثر مما يُتوقع منه المبادرة والمشاركة. هذا التصور ينعكس على أسلوب إدارة الصف، وعلى طبيعة الحوار داخل الحصة، وعلى حدود الحرية الممنوحة للطلاب في التعبير عن آرائهم. ومع مرور الوقت، قد تتحول المدرسة إلى فضاء لإعادة إنتاج علاقات السلطة السائدة في المجتمع، بدل أن تكون مجالًا لتعلم قيم الحوار والمساءلة والاحترام المتبادل.ولا يقتصر أثر الثقافة السائدة على العلاقة بين المعلم والطالب، بل يمتد إلى مضمون التعليم ذاته. فاختيار ما يُدرّس وما يُستبعد، وما يُعدّ معرفة أساسية وما يُعتبر ثانويًا، يخضع في كثير من الأحيان لأولويات ثقافية واجتماعية. فالمواد التي تُسهم في تعزيز المكانة الاقتصادية أو الاجتماعية قد تحظى بقيمة أعلى، بينما تُهمّش مجالات أخرى كالفنون أو التربية الأخلاقية أو التفكير الفلسفي، رغم دورها الحيوي في بناء إنسان متوازن. وهكذا تتشكل رؤية ضيقة للنجاح التعليمي، تُقاس غالبًا بالدرجات والشهادات، لا بمدى قدرة التعليم على تنمية الإنسان ككل.وتلعب الثقافة السائدة دورًا مؤثرًا في أساليب التقويم والامتحانات. ففي مجتمعات ترتبط فيها القيمة الاجتماعية بالنجاح الأكاديمي الشكلي، تتحول الامتحانات إلى غاية بحد ذاتها، ويُختزل التعليم في الاستعداد للاختبار. وينعكس ذلك في ضغط نفسي كبير على المتعلمين، وفي انتشار ممارسات كالحفظ الآلي والدروس الخصوصية، بل وأحيانًا الغش، بوصفها وسائل “مبررة” لتحقيق النجاح كما تعرّفه الثقافة العامة. وفي ظل هذا الواقع، تتراجع قيم التعلم العميق والفضول المعرفي، لتحل محلها ثقافة الإنجاز السريع والنتيجة النهائية.كما لا يمكن إغفال تأثير الثقافة السائدة في قضايا العدالة وتكافؤ الفرص داخل التعليم. فالتصورات الاجتماعية حول النوع الاجتماعي، أو الخلفية الاقتصادية، أو المكانة الاجتماعية، قد تنعكس على توقعات المعلمين من طلابهم، وعلى الفرص المتاحة لهم داخل المدرسة. وقد تُمارس أشكال من التمييز غير المقصود، نابعة من قناعات ثقافية راسخة، تؤثر في مسارات المتعلمين وثقتهم بأنفسهم. وهذا الأثر الخفي يُعدّ من أخطر تجليات الثقافة السائدة في المجال التربوي، لأنه يعمل بصمت ويصعب رصده دون وعي نقدي.ومع ذلك، لا ينبغي النظر إلى الثقافة السائدة بوصفها عائقًا مطلقًا أمام التطوير التربوي. فهي في الوقت ذاته تحمل قيمًا إيجابية يمكن توظيفها لدعم التعليم، كالتكافل الاجتماعي، واحترام العلم، وتقدير الجهد. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في الوعي بهذه الثقافة، وفي القدرة على مساءلتها وتمييز ما يخدم العملية التربوية عما يعيقها. فالتربية الواعية هي تلك التي لا تنفصل عن سياقها الثقافي، لكنها لا تخضع له خضوعًا أعمى، بل تتفاعل معه بوعي ونقد.إن إحداث تغيير حقيقي في الممارسات التربوية يتطلب أكثر من تعديل المناهج أو إدخال تقنيات حديثة، بل يستدعي حوارًا مجتمعيًا عميقًا حول القيم التي نريد أن ينقلها التعليم، وحول صورة المتعلم الذي نطمح إلى بنائها. كما يتطلب إعداد المعلم إعدادًا ثقافيًا ونقديًا، يمكّنه من إدراك تأثير الثقافة السائدة في ممارساته اليومية، ومن اتخاذ قرارات تربوية أكثر وعيًا واتزانًا. فالمعلم ليس ناقل معرفة فحسب، بل هو فاعل ثقافي يسهم، بقصد أو دون قصد، في إعادة تشكيل وعي الأجيال.وفي الختام، يمكن القول إن الثقافة السائدة تمثل البنية التحتية غير المرئية للتربية، فهي التي تحدد الاتجاه العام وتؤثر في التفاصيل الدقيقة للممارسة التعليمية. وإن تجاهل هذا البعد يجعل أي إصلاح تربوي عرضة للتعثر أو السطحية. أما الوعي به، والتعامل معه بجرأة ومسؤولية، فيفتح آفاقًا واسعة لبناء تعليم أكثر إنسانية وعدالة وفاعلية، تعليم لا يكتفي بإعداد الأفراد لسوق العمل، بل يسهم في تشكيل مواطنين قادرين على التفكير والنقد والمشاركة الإيجابية في بناء مجتمعهم.كما يظهر الأثر الخفي للثقافة السائدة بوضوح في ما يُعرف بالمنهج الخفي، وهو ذلك الجانب غير المعلن من التربية الذي يتشكل عبر الممارسات اليومية داخل المدرسة. فالطريقة التي يُدار بها الصف، ونمط التواصل بين الإدارة والمعلمين، وكيفية التعامل مع الاختلاف والخطأ، كلها رسائل ثقافية يتلقاها المتعلم بشكل غير مباشر، لكنها غالبًا تكون أعمق أثرًا من المحتوى المعرفي ذاته. فإذا كانت الثقافة السائدة تميل إلى العقاب أكثر من الحوار، أو إلى الامتثال أكثر من المبادرة، فإن المدرسة ستنقل هذه القيم ضمنيًا، حتى وإن رفعت شعارات حديثة عن الإبداع والاستقلالية.وتبرز إشكالية أخرى تتمثل في مقاومة التغيير التربوي عندما يصطدم بالثقافة العامة. فكثير من المبادرات الإصلاحية تفشل ليس بسبب ضعفها النظري، بل لأنها لا تراعي البنية الثقافية للمجتمع، أو لأنها تحاول فرض نماذج تربوية جاهزة دون تهيئة فكرية وقيمية. فالثقافة السائدة قد تنظر بريبة إلى كل جديد، أو تفسّره بوصفه تهديدًا للثوابت، مما يؤدي إلى تفريغه من مضمونه وتحويله إلى إجراء شكلي. ومن هنا تتأكد الحاجة إلى إصلاح تربوي تدريجي، ينطلق من داخل الثقافة لا من خارجها، ويعمل على تطويرها لا على إلغائها.كما أن دور الأسرة، بوصفها أحد أهم روافد الثقافة السائدة، لا يقل تأثيرًا عن دور المدرسة. فالتناقض بين ما يتعلمه الطالب داخل الصف وما يعيشه في بيئته الأسرية قد يخلق حالة من الازدواجية والارتباك القيمي. وعندما تكرّس الأسرة ثقافة النجاح السريع أو المقارنة الدائمة أو الخوف من الفشل، فإنها تعزز ضغوطًا تربوية تعيق النمو النفسي والمعرفي للمتعلم. لذلك فإن أي رؤية تربوية شاملة لا بد أن تنظر إلى التربية بوصفها مسؤولية مجتمعية متكاملة، تتطلب انسجامًا بين المدرسة والأسرة والخطاب الثقافي العام.إن الوعي بالأثر الخفي للثقافة السائدة يمثل الخطوة الأولى نحو تربية أكثر تحررًا وصدقًا مع ذاتها. فحين ندرك أن التعليم ليس محايدًا ثقافيًا، بل هو ممارسة مشبعة بالقيم والافتراضات، يصبح من الممكن إعادة توجيهه ليكون أداة للتنوير لا للتكرار، وللبناء لا لإعادة إنتاج الواقع كما هو.
|