الثلاثاء 2026/3/10 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 11.96 مئويـة
نيوز بار
يمزج رمضان في مصر بين العروض الروحانية ومسرحة الشوارع التلقائية لإحياء الموروث الشعبي رمضان في مصر... المسرح الشعبي يحكي لغة الناس
يمزج رمضان في مصر بين العروض الروحانية ومسرحة الشوارع التلقائية لإحياء الموروث الشعبي رمضان في مصر... المسرح الشعبي يحكي لغة الناس
مسرح
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

 

تكتسي فنون المسرح المتنوعة في شهر رمضان حلةً ذات طابع خاص في مصر، عنوانها الجوهري "لغة الناس"، والتواصل معهم، ومخاطبتهم الحميمة من مستوى مشاعرهم العامرة بالدفء الإنساني، والسلام الاجتماعي، والوازع الإيماني، والتدفق النوراني. هذه الفعاليات المسرحية الرمضانية الشعبية الساهرة هي حصيلة ميراث عريق من إحياء ليالي التصالح النفسي، واستثمار فنون الأداء والحركة والموسيقى والإنشاد والرقص الصوفي وغيرها، في معالجات مبتكرة وصيغ جديدة تجمع أفراد الأسرة في عُلبة مسرحية بالغة الخصوصية، مشحونة بنكهة الخيمة الرمضانية.

 

موسم استثنائي

 

يؤكّد رمضان هذا العام تأثيره على حالة المشهد المسرحي في مصر، وعلى طبيعة خريطته وأضوائه المتوهجة. ويتحقق هذا التأثير الرمضاني، الكيفي النوعي والكمي العددي، على الرغم من توقف بعض العروض المسرحية الرائجة والناجحة تجاريّاً خشية تضررها من ازدحام حيّز المشاهدة لدى قطاع كبير من الجمهور وامتلائه حدّ الإشباع بالمسلسلات الدرامية التليفزونية. وقد حدث ذلك الأمر مثلاً مع مسرحية "الملك لير" لشكسبير (بطولة يحيى الفخرانى، إخراج شادي سرور)، إذ تعطّلتْ موقتاً من أجل استقبال "المسرح القومي" عملاً أكثر اتساقاً مع أجواء شهر الصيام، هو العرض المسرحي الشعبي "يا أهل الأمانة" للشاعر فؤاد حداد، من إعداد محمد رزق، وإخراج أحمد إسماعيل.يتيح المناخ الرمضاني مجالاً واسعاً لتقديم العروض الموسمية، وهي تلك العروض الروحانية والدينية والشعبية والأوبرالية، التي تستلهم الموروث التاريخي في التصوف والابتهالات والأدعية وغيرها، في أثواب درامية وحركية وموسيقية، خصوصاً على مسارح الدولة، وفي المساحات المكشوفة، والحدائق العامة، والمناطق الأثرية. وتنسجم مثل هذه العروض الشعبية والفلكلورية، المستعادة والمجدّدة، المجانية في أحوال كثيرة، مع طقوس الليالي الرمضانية بهالاتها الإشعاعية الممتدة في مختلف الأرجاء.ومن جانب آخر، فإنّ ما يحمله شهر الصوم من بهجة مجتمعية ونفحات تعبدية يكاد يعني بشكل حرفي "مسرحة الشوارع" في القاهرة وسائر المحافظات المصرية، أي أن تصير الأمكنة كلّها والدنيا برمّتها "مسرحاً كبيراً" مفتوحاً، حيث تعمّ الاحتفالات الدروب والمسالك والبيوت والأسطح، وتتحوّل الطرقات والشرفات والنوافذ إلى فوانيس مضاءة بالمصابيح، وزينات زاهية، وأوراق لامعة، وأعلام ملونة.

 

عروض وجماليات

 

تتعدّد مسمّيات برامج العروض المسرحية الرمضانية هذا العام، بين "هل هلالك" و"الليالي الرمضانية" و"الخيام الرمضانية" و"أهلاً رمضان"، وغيرها من الفعاليات، التي تضطلع بها جهات ومؤسسات متعدّدة، منها: دار الأوبرا المصرية، والهيئة العامة لقصور الثقافة، ومكتبة مصر العامة، ومكتبة القاهرة الكبرى، والبيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية، والمجلس الأعلى للثقافة، ومكتبة الإسكندرية، وساقية عبد المنعم الصاوي، وغيرها.من هذه العروض المتميّزة، التي تتّكئ على موروثات التصوف وتاريخ الإنشاد الديني والموسيقى الروحانية والابتهالات والأدعية وحلقات الذكر ورقصات المولوية والتنورة والموالد والمناسبات الشعبية وغيرها، في صيغ حديثة ومعالجات درامية وحركية وأدائية متطورة، ما يحفل به برنامج الأوبرا الرمضاني من أعمال مسرحية وأوبرالية لافتة، على المسرح المكشوف، والمسرح الكبير، ومسرح الهناجر.ومن فواكه برنامج الأوبرا الرمضاني المسرحي عروض المناجاة والتسابيح والموسيقى الروحانية والشعر الصوفي وقصائد المديح النبوي، بحضور المنشد محمود التهامي، والمداح أحمد الكحلاوي، إضافة إلى عروض فرقة "التنورة" التراثية، والأراجوز، وخيال الظل، وعروض "السيرة الهلالية" و"مربعات ابن عروس" على أنغام آلة الربابة، وعروض الفرقة القومية للفنون الشعبية المتميزة: "فتوات قبلي"، و"الحجالة"، و"الحصان"، و"أم الخلول"، و"العصا"، وغيرها من العروض التي تكرّس للحفاظ على الروح الشعبية والهوية المصرية.أما أيقونة مسرح العرائس، أوبريت "الليلة الكبيرة"، فيقدمه البيت الفني للمسرح، وهو عرض عرائس الماريونت الشهير، الذي جرى تقديمه للمرة الأولى في مصر عام 1961، بالتعاون بين رائد فن العرائس ناجي شاكر، والشاعر صلاح جاهين، والمخرج صلاح السقا، والموسيقار سيد مكاوي. وفي ساحة مسرح العرائس في القاهرة، على مدار الليالي الرمضانية، يقدّم العرض المسرحي "فرحة رمضان" لوحات مسرحية تمثيلية واستعراضية وغنائية مستوحاة من أجواء الحارة المصرية، وتتجلى فيها الشخصيات الرمضانية، وعلى رأسها المسحراتي، في سياق يجمع بين الحس الشعبي والرؤية الإبداعية المعاصرة.أما عروض ساقية الصاوي، ومكتبة القاهرة الكبرى، ومكتبة مصر العامة، وصندوق التنمية الثقافية، في رمضان الجاري، فمن أبرزها حفلات الأداء الإنشادي والابتهالي والصوفي، والاستعراضات الحركية، والفنون الأدائية والموسيقية، مثل عرض "مسحراتي الوطن"، وعرض "روحانيات رمضان" الإنشادي، وعرض مجموعة "أنامل شرقية" لعازفة الهارب منال محيي الدين بمركز إبداع قبة الغوري، وعرض رقصات التنورة لفرقة النيل للآلات الشعبية في مركز إبداع بيت السحيمي، إلى جانب عرض استوديو خيال الظل الذي يروي سيرة شهر رمضان. وتتميز هذه العروض بتفوقها من حيث المعالجة والتصميم والتجهيزات المسرحية، وتستلهم ثيمات مألوفة من الفلكلور الشعبي، والإنشاد الديني والابتهالات في المساجد، وحلقات الذكر في الموالد والمناسبات الدينية، ورقصات المتصوفة، في صياغات عصرية مصحوبة بالموسيقى والغناء والأداء الحركي. ويأتي ذلك، إلى جانب التعبير بلغة الجسد، من خلال الإشارات والإيحاءات والرقصات الدائرية ذات الدلالة الصوفية، التي تعكس محاولة الاقتراب من الذات الإلهية، وتحيل إلى مراتب الإشراق والتحرر من الماديات الأرضية.

 

مسرحة الشوارع

 

يبقى الملمح الأكثر خصوصية وتميزاً لرمضان المسرحي في مصر، هو تحول الشوارع والأبنية ذاتها، خصوصاً في الأحياء الشعبية وفي مناطق القاهرة التاريخية، الفاطمية والمملوكية، إلى مسارح مفتوحة، ديكورها مكوّن من الزينات والأوراق والأعلام الملونة، والفوانيس المضاءة بالمصابيح، ذات الأحجام والأشكال المختلفة.ورغم الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، وانشغال المواطنين الدائم بكسب العيش، فإن رمضان لا يزال شهر الاحتفالات و"التفاصيل" المثيرة في شوارع مصر المحروسة، وهي حالة مسرحية تلقائية بامتياز، مقامة منذ مئات السنوات حتى يومنا الحالي. ومع تزيين الشوارع وإضاءتها بالأنوار، ينطوي الحدث الرمضاني على لهو الأطفال بالألعاب النارية والصواريخ والمفرقعات الصغيرة، خصوصاً بعد صلاة التروايح حتى موعد السحور، وتنظيم موائد الإفطار الجماعي المجانية، ومرور المسحراتي لإيقاظ الأهالي لتناول السحور، وتجمع المارة أمام بائع مشروب العرقسوس المتجول قبيل الإفطار، وتبادل الأهالي أطباق الحلوى مع جيرانهم على مدار الشهر، وغيرها من المشاهد الحية الشهية التي لا تزال تحافظ على نكهة رمضان ومذاقه المصري الفريد.

 

المشـاهدات 15   تاريخ الإضافـة 09/03/2026   رقم المحتوى 70817
أضف تقييـم