الأربعاء 2026/1/21 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 0.95 مئويـة
نيوز بار
الهوية العربية في ظل العولمة الرقمية
الهوية العربية في ظل العولمة الرقمية
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب نغم مازن خضير
النـص :

 

 

لم تعد العولمة ـــ ولا سيما في عصرها الرقمي المتسارع ـــ مجرّد تفاعل ثقافي أو انفتاح حضاري بين الشعوب، بل غدت منظومة كونية متشابكة تُعيد تشكيل الوعي الإنساني، وتؤثث صورة الإنسان عن ذاته وعن العالم من حوله. وفي خضمّ هذه التحوّلات العميقة، تقف الهوية العربية أمام منعطف حاسم لا يقلّ خطورة عمّا واجهته عبر قرون من الصراعات الفكرية والسياسية، بل ربما أشدّ وطأة لتعلّقه بفضاءٍ رقميٍّ مفتوح لا يعترف بحدود الجغرافيا ولا بخصوصية اللسان والثقافة.تمثل الهوية العربية في ظل العولمة الرقمية تحديًا مفصليًا؛ فبينما تُسهِّل تبادل المعرفة والثقافات، وتفتح مسارات واسعة للتواصل الإنساني، إلا أنّها في الوقت ذاته تخلق منافذ لا تُحصى لتهديد الخصوصية الثقافية، وتذويب السمات الأصيلة التي تَفَرَّدت بها الشعوب العربية عبر تاريخ طويل من التراكم الحضاري. وفي زمنٍ تتسارع فيه الخطى نحو الاندماج الكوني، تقف الهوية العربية على مفترق طرقٍ دقيق بين الثبات على الجذور والانفتاح على العصر.العولمة بما تمنحه من فرص، تَمدُّ جسورًا واسعة بين الأمم، لكنها ـــ في الوجه الآخر منها ـــ تحمل مخاطر الانسياق وراء ثقافة غالبة تسعى للتمدد على حساب الهويات المحلية. وهنا يبدو التحدّي العربي أكثر حدّة، لأن الهوية العربية ليست مجرّد لافتة انتماء، بل هي تجسيد لعمقٍ حضاري وإنساني تشكّل عبر قرون من الفكر، واللغة، والفنون، والقيم الروحية والاجتماعية. هذه الهوية تواجه اليوم اختبار البقاء في عالمٍ تتداخل فيه الثقافات وتتشابك فيه القيم، وتتزاحم فيه الخطابات المهيمنة التي قد تُغري الأجيال بالانسلاخ عن جذورها.ومن هنا تبرز ضرورة الوعي بخطورة المرحلة؛ فالحفاظ على جوهرة الانتماء العربي ليس ترفًا فكريًا، وإنما هو واجب وجودي لحماية الذاكرة الجمعية للأمة في مواجهة هذا المدّ العولمي الجارف. ولعلّ أبرز التحديات يتمثل في الصراع على اللغة العربية نفسها، وهي الوعاء الأسمى للهوية، والمرآة التي انعكس عليها تاريخ العرب وثقافتهم وقيمهم. فالفضاء الرقمي، على اتساعه، يشيع لغاتٍ وخطاباتٍ وسياقات تُهمّش العربية إن لم نُحسن توظيفه لخدمتها.إنّ استيعاب التقنيات الحديثة لا ينبغي أن يعني الانغماس السلبي في موجة العولمة، بل هو فرصة لإعادة صياغة الوجود الثقافي العربي على المنصّات الرقمية. فبدلًا من أن نكون مستهلكين لمحتوى ثقافي وافد، يمكن أن تكون التقنية أداةً لتعزيز حضور العربية ونشر أدبها وتراثها، واستثمار الذكاء الاصطناعي في تعليم اللغة، والمحافظة على التراث اللساني، وإنتاج محتوى معرفي قادر على المنافسة.إن الهوية العربية لا تُصان بالانغلاق، ولا تنمو بالذوبان، وإنما تتجدد عبر الوعي، وتترسخ عبر الإبداع، وتستمر عبر القدرة على مواكبة الحاضر دون التفريط بالماضي. وبهذا الفهم المتوازن، يصبح الاندماج في العصر الرقمي ليس تهديدًا، بل رافعة حضارية تُعيد للثقافة العربية مكانتها التي تستحقها في خريطة العالم.وفي النهاية، ليس السؤال: هل ستصمد الهوية العربية أمام العولمة الرقمية؟بل السؤال الأعمق: كيف نُعيد تشكيل حضورنا وهويتنا في عالم يتغير؟والإجابة تبدأ من إيمانٍ راسخٍ بأن الهوية ليست أثرًا يُصان، بل مشروعًا يُبنى ويُعاد بناؤه مع كل جيل.

المشـاهدات 23   تاريخ الإضافـة 21/01/2026   رقم المحتوى 69985
أضف تقييـم